فى خروجة عيد مصرية كلاسيكية، اصطحبتُ بناتى لمشاهدة فيلم «برشامة». جلسنا أمام الشاشة ومعنا علبة فشار، نأكل ونضحك من قلوبنا على قنابل الكوميديا: هشام ماجد ومصطفى غريب. كان كل شىء لطيفًا وخفيفًا، ونحن نتابع الشخصيات وهى تحاول بكل ما أوتيت من حيل أن تغش فى امتحان اللغة العربية للثانوية العامة، فى لجنة لطلاب المنازل.
لم يذاكر للامتحان أحد، باستثناء عبد الحميد، الذى جسّده ماجد.
قدّم عبد الحميد شخصية الطالب المتديّن المتفوق، الذى على عكس الآخرين الغافلين، كان يعرف كل إجابات الامتحان لأنه اجتهد واستعد له جيدًا. ومع ذلك، رفض تمامًا أن يغش أو يسمح لغيره بالغش. ورغم تهديدات السجين الذى كان يؤدى الامتحان مكبّل اليدين، ومغازلات الراقصة الجميلة، ومحاولات باقى الطلاب المستميتة، ظل ثابتًا على موقفه؛ لم تهتز لعبد الحميد شعرة، وكان إيمانه راسخًا بأن الغش حرام وغير مقبول.
حتى عندما أخبرته الراقصة بأنها تحتاج إلى شهادة الثانوية لتجد عملًا محترمًا يجعل ابنتها تفخر بها، لم يتزحزح عبد الحميد عن موقفه. ورغم أن الشخصية بدت متشددة بعض الشىء، فإن الأمر ظل فى إطار كوميدى لطيف يخدم الحبكة. لكن هذا الثبات لم يدم.
فجأة، وفى لحظة اقتراب انتهاء الامتحان، انقلب المشهد. فى تطور درامى للأحداث، تحوّلت الموسيقى إلى نغمة درامية، ولانت نظرة عبد الحميد وهو يرى خيبة أمل الراقصة، التى بدا واضحًا أنها لم تكتب حرفًا واحدًا. وفى لحظة صُوّرت على أنها ذروة الشهامة والبطولة، بدّل عبد الحميد ورقته بورقتها، مانحًا إياها إجاباته، وآخذًا ورقتها الفارغة. وهكذا، وبحركة واحدة نبيلة فى ظاهرها، مجّد الفيلم الغش، وساهم فى تطبيع آفة متجذّرة أصلًا فى منظومتنا التعليمية على أنها شىء طبيعى، بل نوع من الطيبة والشهامة، لنعتبر الطالب الذى يرفض الغش ما نسميه «قفلا»، وموضوعًا غنيًا للسخرية.
ولأن الغش صار، للأسف، جزءًا شبه طبيعى فى ثقافتنا، مرّ المشهد بسلاسة غريبة. لم يعترض أحد. ضحك أطفالى، وواصلوا أكل الفشار، وخرج الجمهور راضيًا بنهاية سعيدة. بل وأحببنا عبد الحميد أكثر، لأنه كان فارسًا أنقذ الراقصة وساعدها — وفق منطق الفيلم — على تحقيق حلمها بالحصول على شهادة. لكن لحظة، عبد الحميد لم ينقذها من خطر، ولم يساعدها على المذاكرة. هو ببساطة غشّ وارتكب تزويرًا بدافع الشفقة، ونحن جميعًا صفّقنا لذلك واعتبرناه شهامة، بينما كان بإمكانها — لا سمح الله — أن تذاكر لتنال ما تريد.
متى أصبح من الطبيعى أن نتعاطف مع شخص لأنه فشل فى الغش فى امتحان لم يبذل فيه أى جهد؟ كيف وصلنا إلى درجة نحزن فيها على طالب لم يتمكن من الغش، ونغضب من مراقب لأنه منعه؟ ولماذا بات من العادى أن يشجّع بعض الأهالى أبناءهم على الغش، أو على الأقل يغضّوا الطرف عنه؟
لو أن عبد الحميد ساعدها على سرقة مال مثلًا لفتح مشروع، هل كنا سنخرج سعداء بنفس القدر؟ هل القضية مجرد شهادة؟ ومتى سنتوقف عن تفضيل الشهادة على التعليم الحقيقى؟
ما قيمة شهادة طب إن كان الطبيب لم يتعلم شيئًا سوى كيف يجتاز الامتحان بالغش؟ كيف وصلنا إلى هذا الحد من تطبيع الجهل حتى صرنا نقدّس ورقة بدلًا من أن ننوّر عقولنا؟
فى جيل بات يعتمد على الذكاء الاصطناعى لإنجاز أبحاثه ومشاريعه، لا يوجد وقت أهم من الآن للتأكيد على قيمة التعلم نفسه، لا مجرد الشهادات. فى زمن يظن فيه الطالب أن المعرفة لم تعد ضرورية، لأن بضغطة زر يمكن الحصول على الإجابة، تزداد الحاجة إلى إعادة الاعتبار للعقل، ولرحلة التعلم ذاتها.
سواء لغرض كوميدى أم لا، لا يجوز أبدًا تقديم الجهل والتزوير على أنهما شهامة أو طيبة. وهذا أخطر ما يكون فى مجتمع أصبح متسامحًا مع الغش إلى حد أننا لم نفقد بوصلتنا الأخلاقية فحسب، بل فقدنا أيضًا فهمنا لسبب التعليم من الأساس.
لقد فقدنا الغاية. نسينا كيف يصنعنا التعليم أفرادًا واعين ومستنيرين، إلى درجة أننا أصبحنا نحتفل بنتائج الثانوية العامة ونحن نعلم أن جزءًا منها لم يُكتسب بجدارة. نحتفل بشهادات الهندسة، ونحن ندرك أن حاملها قد لا يكون مؤهلًا لبناء بيت، لكنه نجح بالغش.
ونواصل جميعًا هذا التمثيل الجماعى.. نحتفل بإنجازات لم نحققها، وشهادات تشهد على قدرتنا على الفهلوة فقط، ونزيف تعليم لم نتعلمه، ونبقى بعقول لم تستنر أو تنمو. ولكننا نحتفل رغم كل ذلك، وننسى ونتناسى، ونضحك، ونستجدع عبد الحميد البطل الشهم الطيب.
أستاذ مساعد بقسم الإعلام فى الجامعة الأمريكية