نشرت جريدة الرأى الكويتية مقالًا للكاتبة نادية الخالدى، تؤكد فيه أن كلام الناس عن الآخرين هو مرآة تعكس عالمهم الداخلى ونضجهم النفسى أكثر ما تعكس حقيقة الشخص المُتحدث عنه، بمعنى أوضح إطلاق الأحكام والنميمة ليس مجرد سلوك اجتماعى عابر، بل هو آلية نفسية (إسقاط) يستخدمها الفرد للتعبير عن نواقصه أو لتخفيف شعوره بالدونية. بإيجاز، الرقى الإنسانى والاشباع الذاتى يتناسبان عكسيًا مع الانشغال بعيوب الآخرين.. نعرض من المقال ما يلى:
كلام الناس ليس مجرد تبادل عابر للأحاديث بل هو سلوك اجتماعى عميق الجذور يكشف البنية النفسية والقيمية لمن يمارسه أكثر مما يكشف حقيقة من يُتحدث عنه، فعلم النفس الاجتماعى يوضح أن الإنسان حين يتكلم عن غيره فإنه فى الواقع يمارس عملية إسقاط نفسى projection، حيث ينسب للآخرين ما لا يستطيع الاعتراف به داخل نفسه، ولهذا نجد أن الشخص الذى يكرر اتهام الآخرين بالأنانية يكون فى الغالب شديد التمركز حول ذاته، والذى يصف غيره بالفشل يكون خائفًا من فشله الشخصى. وقد أثبتت دراسات فى جامعة ميشيغان أن الأفراد حين يُطلب منهم تقييم صفات أخلاقية فى الآخرين فإن أوصافهم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بسماتهم الشخصية هم، بمعنى أن الطريقة التى نصف بها الناس انعكاس مباشر لكيف نرى العالم وكيف نرى أنفسنا، كما أظهرت أبحاث منشورة فى Journal of Personality and Social Psychology أن كثرة الانخراط فى النميمة ترتبط بانخفاض مستوى الرضا عن الحياة وارتفاع مشاعر القلق والمقارنة الاجتماعية، لأن النميمة ليست فقط حديثًا عن الآخرين بل هى آلية دفاعية لتخفيف الشعور بالدونية عبر خفض قيمة الغائب.
ومن منظور علم الأعصاب فإن الحديث السلبى المتكرر يعزّز مسارات عصبية مرتبطة بالمكافأة اللحظية الناتجة عن الإحساس بالتفوق الموقت ما يجعل هذا السلوك إدمانيًا عند بعض الأشخاص، ولذلك نرى أن المجالس التى يكثر فيها الحديث عن الناس تتحول إلى دوائر مغلقة من الطاقة السلبية حيث يتغذى كل فرد على قصص الآخرين ليشعر بارتفاع عابر فى تقديره لذاته. وعلى الجانب الآخر، تشير دراسات حول ما يسمى prosocial gossip إلى أن الحديث الإيجابى أو التحذيرى عن سلوكيات ضارة يمكن أن يخدم وظيفة تنظيم اجتماعى أخلاقى إذا كان الهدف حماية القيم لا تشويه الأشخاص، وهنا يظهر الفارق بين من يتكلم بدافع الإصلاح ومن يتكلم بدافع الإيذاء، فالأول يركز على السلوك ويبتعد عن التشهير ويختار التوقيت والنية، بينما الثانى يضخم التفاصيل ويستمتع بإعادة سردها ويبحث عن جمهور، ومن الأمثلة الواقعية أن بيئات العمل التى تنتشر فيها الشائعات تعانى من انخفاض الثقة وزيادة الاحتراق الوظيفى كما بينت أبحاث فى Harvard Business Review لأن انعدام الأمان النفسى يجعل الأفراد فى حال دفاع دائم، وفى المقابل فإن المؤسسات التى تعزز ثقافة المواجهة المباشرة والشفافية تقل فيها النميمة ويزداد الانتماء، كذلك فى العلاقات الأسرية حين ينشأ الطفل فى بيئة يسمع فيها والديه يتحدثان بسوء عن الأقارب فإنه يتعلم ضمنيًا أن الغياب مساحة مباحة للطعن، فيكبر وهو يفتقر لمفهوم الأمان العاطفى، بينما الطفل الذى يرى والديه يدافعان عن الغائب يتشكل لديه ضمير اجتماعى يحترم الخصوصية.
إنّ كلام الناس إذًا ليس ظاهرة سطحية بل مؤشر على مستوى النضج الانفعالى لأن الشخص الناضج يدرك أن كل كلمة تصنع سمعة له قبل أن تصنع صورة لغيره، ومن منظور القيم الدينية والأخلاقية فإن صيانة اللسان اعتُبرت عبر التاريخ معيارًا للرقى لأن المجتمعات لا تنهار بسبب الأخطاء الفردية بقدر ما تنهار بسبب تداولها بلا رحمة، ولهذا فإن التعامل الواعى مع كلام الناس لا يكون بمحاولة السيطرة على ألسنتهم بل بفهم الدوافع النفسية خلفها، فكل إنسان يتحدث من مستوى وعيه ومن حجم ألمه ومن مقدار سلامه الداخلى، والقاعدة العميقة التى تكشفها الدراسات والخبرة الإنسانية أن من امتلأ داخله بالطمأنينة قلّ انشغاله بالآخرين، ومن تصالح مع نفسه لم يحتج إلى تشويه صورة غيره ليشعر بالقيمة، ولذلك حين تسمع كلامًا عنك تذكر أن ما يخرج من أفواههم يعبر عن عالمهم الداخلى لا عن حقيقتك، فسمعتك الحقيقية تُبنى بسلوكك المتكرر لا برواياتهم العابرة، وكلام الناس فى النهاية اختبار مزدوج يكشف أخلاق المتكلم ويختبر ثبات المتلقى، فمن فهم هذه المعادلة عاش بحرية أكبر ولم يعد أسيرًا لضجيج لا يملك عليه سلطانًا.