«أحمد شوقى حسن» بين حب العقلانية وعقلانية الحب - محمد رءوف حامد - بوابة الشروق
الخميس 26 مارس 2026 8:04 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

«أحمد شوقى حسن» بين حب العقلانية وعقلانية الحب

نشر فى : الأحد 8 فبراير 2026 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 8 فبراير 2026 - 9:35 م

عام 1965، أى عقدين قبل لقائى مع الدكتور أحمد شوقى أستاذ الوراثة، كنت قد وصلت ذهنيا، فى تعاملاتى مع ذاتى والآخر والأشياء، أن يكون «الحب» كقيمة وممارسة هو ما أجتهد فى الالتزام به.

وقتها كنت طالبًا فى إعدادى صيدلة. كان تمثيلى للطلاب فى اللجنة الثقافية الفنية، على مستويى كلية العلوم ثم كلية الصيدلة، قناة رئيسية للحب فى تعاملاتى، وفى انتماءاتى، وفى اكتساب المعرفة. كان الآخر عندى يمتد، ليس فقط إلى الشأن العام المحيط (طلاب وأساتذة وإداريين ومعامل وكافيتريا الكلية… إلخ)، وإنما أيضا إلى الشأن الثقافى فى الإسكندرية، المناطق والناس والبحر.

كان الاستمتاع بالحب يتملكنى أثناء التمشية الأسبوعية على الشاطئ، من كليوباترا الحمامات إلى سان ستيفانو، والعكس.

عقلية الحب هذه دفعتنى للتفكير والتخطيط لإصدار مجلة حائط بعنوان «الحب»، غير أننى لم أجرؤ على التنفيذ، خشية عدم فهم مقصدى.

عشت، مع نفسى، بعقلية الحب حتى جمعتنى مع الدكتور شوقى ندوة علمية فى مقر كلية الزراعة بجامعة عين شمس (1985). عندها، تبادلنا وجهات النظر فى الحب كقيمة حياتية، فكرا وتطبيقا. جرى ذلك بتلقائية وعفوية، تفاعلا مع الموجودات المحيطة من أحداث وكتابات، وبشر، وأمنيات.

لقد حباه الله، بفضيلة المبادرة، والتى كانت أداته فى عقلانية الحب.

فى نهاية الندوة بادرنى بتساؤلين، أين تسكن؟، ومنذ متى بدأت تنشر مقالاتك؟

تصادف أن كنا نقطن فى نفس الشارع (فيصل). كان ذلك مصدرًا للرضا لكل منا. وفى حوارنا عرفت أنه قد بدأ ينشر مقالاته مع بلوغه الأربعين عامًا عمرًا، وأنه يربط ذلك بانتباهه إلى أن الرسول قد نزل عليه الوحى وقت أن بلغ عمره أربعين عامًا.

• • •

تذكرت كل ما أشرت إليه أعلاه بينما كنت أضع خطة لحديثى أمام لقاء المجلس الأعلى للثقافة، «فى محبة الدكتور أحمد شوقى» (21 ديسمبر 2025).

فى هذه المناسبة حرصت على الإشارة إلى بعض ما خبرته عنده من سعى عفوى للتكاملية بين العقلانية والحب، وذلك على النحو التالى:

1) الحفاظ على حق الآخر الغائب:

 فى هذا الصدد لا أنسى تأنيبه الشديد لأستاذ جامعى ألقى محاضرة، داخل أكاديمية البحث العلمى، عن بحوثه فى مجال الهندسة الوراثية، بينما لم يشر إلى الباحث الرئيسى لهذه البحوث، والذى كان هو «الدكتور أحمد مستجير».

2) قمة فى العرفان بمساهمات الآخرين:

كان قد حدثنى ذات مرة عن فكرة أن تتضمن سلسلة كراسات مستقبلية (والتى أسسها ورأس تحريرها) عروضا للكتب. سعدت بالفكرة، وأثنيت عليها، واقترحت أن تنشأ لها سلسلة خاصة بها بمسمى («كراسات عروض»).

بعدها، مع صدور هذه السلسلة فوجئت بإشارته فى مقدمتها أن «فلان» هو صاحب اقتراح إنشاء هذا الكراسات.

3)  الشفافية المتناهية فى الخصام:

ذات يوم جمعتنا منصة المعرض الدولى للكتاب فى ندوة لمناقشة أحد كتبه. بعد الندوة وجدته، وعلى غير العادة، يتجنب التحدث معى، ويمضى بعيدا مع صديق له.

فى اليوم التالى تواصل معى تليفونيا ذاكرًا أن أحد الحضور قد أخبره بأن ما قدمه العبد لله من تعليق كان يستهدف فيه النيل من صاحب الكتاب. عندها أوضحت له التزامى بما أتبعه فى مثل هذه الأمور، وتحديدًا جذب الانتباه إلى أهمية الكتاب، وما يضيفه  للقارئ، وما قد يكون من المفيد إضافته مستقبلا، فى طبعاته التالية. بعدها، وبدون أية نقاش، تواصلت العلاقة كما كانت عليه من تقدير ومحبة.

4) الرقى فى التعامل مع الاختلاف: 

عند الاختلاف فى الرأى لا يحدث أن يصنع هذا «النبيل» أية خلاف. مثلا، كان يرى «25 يناير» مصنوعة بدعم أجنبى، بينما كنت أجدها ثورة (أو انتفاضة ثورية)، وأن التوجهات الأجنبية انحصرت فى محاولة الركوب عليها بعد بزوغها.

5) الاحترام الأمين للرأى الآخر:

كان عنوان أول كراسة عروض للعبدلله (1997) هو  Management of Globalization. أعددت الكراس وعنونتها «إدارة العولمة». أبدى «النبيل» عدم رضاه بمصطلح «عولمة»، وكان أن أشار فى مقدمته للكراس إلى أن المصطلح الأكثر صوابا هو الكوكبة (اعتمادًا على رؤى الكثيرين وقتها)، إلا أنه لم يسع لتغيير العنوان، وتركه كما هو احتراما لرؤية العبدلله.

6) شجاعة الاعتراف بخطأ رأيه لو ثبت له ذلك:

لقد لمست تحليه بهذه السمة فى تفاعلاته مع جميع الآخرين، صغارا وكبارا. فى هذا الخصوص كان مُعلما كبيرا لكل من حوله.

7) اقتراب (أو توازى) أحاسيسه مع أحاسيس أصدقائه خاصة فى الظروف الحرجة:

أذكر عنه هنا شجاعة (وفورية) تصرفه فى مواجهة حريق ناشئ عن ماس كهربائى فى شقة بالدور الأعلى. لقد سارع بالنزول إلى الشارع وإحضار شكارة من كومة رمل كانت موجودة بالصدفة بجوار المنزل، حاملا إياها إلى الدور الأعلى. كان سعيدًا بتمكنه من إطفاء الحريق، وإنقاذ الجار وشقته، ولم يأبه بما أصاب ظهره، ولفترة طويلة، من أوجاع نتيجة حمولة الرمل.

أيضا، شخصيا، لا أنسى أنه فى ختام محاضرة عامة للعبدلله، فى مؤتمر إقليمى عربى، وبينما كنت أوجه عرفانًا بالجميل للبعض، أذكر عندما هممت بذكر اسم رفيقة العمر، الأستاذة الدكتورة سلوى عبدالله، وكانت قد صعدت روحها إلى بارئها منذ أكثر من عام، أن جرفتنى شحنة عاطفية أوقفت لسانى. عندها فوجئت بهذا النبيل ينقذنى، حيث ذكر اسمها بصوت جهورى يسمعه الجميع، تعويضا لعجزى عن النطق.

8) التشبيك بين الأفكار وبعضها:

أذكر هنا عندما عرضت عليه محتويات كتابى «إدارة المعرفة» أن اقترح إضافة تعبير «رؤية مستقبلية» إلى العنوان، الأمر الذى قد عزّز قدر الانتباه لهذا الإصدار (دار المعارف 1998).

9)  صعوبة كتم فرحته بشأن نجاح أصدقائه:

مع بدايات 1999، حدث أن نقل إليه الأستاذ رجب البنا خبر اختيار كتاب «إدارة المعرفة: رؤية مستقبلية» لجائزة أحسن كتاب فى المستقبليات، موصيًا بتجنب نقل هذا الخبر للعبدلله، تحسبا لما قد يطرأ من تعديلات للأسماء الفائزة، قبل إعلانها. ومع ذلك، لم يستطع «النبيل» كتم فرحته، لقد حدثنى على الفور بالخبر، ناقلا تحسب الأستاذ البنا بضرورة الانتظار حتى يظهر فى الجرائد.

• • •

10) عندما ثار ثورة عارمة:

حدث ذلك فى شرم الشيخ، فى مؤتمر دولى لرؤساء تحرير الدوريات العلمية فى العالم. كانت اليونسكو قد دعت الدكتور شوقى لتنظيم وإدارة جلسة علمية مصرية، ضمن المؤتمر، لمدة 15 دقيقة. اختار «النبيل» ثلاثة من الأساتذة فى مجالات الهندسة الوراثية، وطب العيون، وعلم الأدوية. جرى التنسيق بين الأربع شخصيات بدقة. عندما جاء وقت الجلسة المصرية فوجئنا بقدوم أستاذة أجنبية (من قيادات المؤتمر) إلى الدكتور شوقى، مخبرة إياه بأنها ستتولى رئاسة الجلسة بنفسها بدلا منه. هنا كانت المرة الوحيدة، على مدى أربعة عقود، التى أشاهده فيها يحتد ويثور ويتحدى. لقد أجبرها على التراجع، وأدركنا جميعا أن موقفه هذا كان من أجل حماية الدقائق المصرية الـ 15 من أى عبث. كانت مصريته تعيش فى قلبه وتهيمن على سلوكياته.

11) اكتشافه لسر مصرى غريب فى أمريكا:

فى زيارة له للولايات المتحدة، كما ذكر للعبدلله، حدث عند وصوله أن طُلب منه المرور على مكتب أمنى معين. عندما علم المسئول فى هذا المكتب بأنه يعمل أستاذًا فى كلية الزراعة، سأله عن اسم معين من كبار أساتذة الزراعة فى مصر، والذى كان وقتها فى منصب حكومى مرموق، ذاكرا له أنه لو أثبت أنه يعرفه شخصيا فسيكون مدعوا للإقامة فى فندق كبير لقاء مبلغ زهيد، حوالى 2 دولار لليوم. وكان أن مر الدكتور النبيل بهذه التجربة الغريبة، والتى أدهشته.

12) عن إبداعاته المجتمعية:

يمكن اعتبار مشروعه المشترك، مع صاحب دار الأكاديمية للنشر، الأستاذ أحمد أمين، والذى أصدر فيه عدد 251 كراسة ضمن سلاسل كراسات مستقبلية وعلمية وعروض، من 1997 إلى 2021، أحد المشروعات الثقافية الأرقى على المستوى العربى.

13) المهام القومية التى لم تسند إليه:

هنا، تجدر الإشارة إلى ترشحه لمنصبى أمين المجلس الأعلى للجامعات، ورئيس مركز مبارك للعلوم، إلا أنه، وبرغم عضويته فى لجنة السياسات بالحزب الوطنى، لم يكن له نصيب فى أى من المنصبين.

هذا ومن المعروف إنه لم يمالئ السلطات فى أى من مستوياتها، وأيضا لم يكن تصادميا مع الآخرين. لقد كان فى غاية الانضباط، فى اتباعه للحقوق، وفى ممارساته للمسئولية، الأمر الذى ربما يكون قد ساهم فى تجنب اختياره للمناصب العليا.

وبعد، لقد تميزت شخصية الدكتور أحمد شوقى بتآزرية بين عبقرية حب العقلانية وعظمة عقلانية الحب، بحيث كانت حياته «مجلة» بعنوان الحب.

خبير صناعة الأدوية ورئيس هيئة الرقابة الدوائية السابق

 

محمد رءوف حامد خبير صناعة الأدوية ورئيس هيئة الرقابة الدوائية السابق
التعليقات