بالرغم من تفاقم إرهابية التحالف بين النيوليبرالية والصهيونية، فإن مواجهته لم تصل بعد إلى القدرة على حماية العالم من انحرافاته.
عمومًا، تتراوح التناولات المجابهة لإرهابية هذا التحالف ما بين تحليلات ورؤى لكُتّاب ومفكرين، وبيانات وقرارات من الأمم المتحدة ومؤسساتها، ولكن دون انعكاس على الواقع.
بالتوازى تصاعدت حمية الحس الإنسانى العالمى فى مواجهة انحرافات هذا التحالف، وولّدت الوجدان الدولى الجديد، والذى يُعَدُّ منصة استثنائية جديرة بالتمحيص والاستفادة فيما يتعلق بإشكالية إعادة حوكمة العالم (الوجدان الدولى الجديد.. تضاريسه ومآلاته - الشروق - 10 يوليو 2025).
عن أهمية التحول إلى الوجدان الدولى الجديد:
على إيقاعات هذا التحول بزغت مستجدات لم تكن فى إطار المعرفة العامة أو التوقعات الممكنة. من أمثلة ذلك تحوُّل جذرى فى انتخابات عمدة نيويورك. وكذلك الاكتشاف بأن المخطط الاستعمارى بنزع فلسطين من أهلها وإقامة الكيان الإسرائيلى، جاء بهدف منع تقدم المنطقة العربية، وأن نشأته تعود إلى عام 1840، أى عدة عقود قبل كل من المؤتمر الصهيونى الأول، ووعد بلفور، وقرنين قبل طوفان الأقصى (الأصول المنسية فى القضية الفلسطينية - الشروق - 11 ديسمبر 2025).
هذا يوضح كيف أن الشعوب احتاجت إلى زمن طويل لإدراك شراسة قوى التسلط العالمى ضد التاريخ والجغرافيا والبشر.
هكذا تلكؤ فى رصد المؤامراتيات يستدعى الانتباه إلى اعتبارات منطقية، فى غيابها تتواصل استبدادات قوى التسلط العالمى، وتتضخم التضحيات اللازمة للمقاومة.
من هذه الاعتبارات:
- إن التأخر فى اكتشاف أى انحراف تسلطى بسيط يؤدى إلى التلكؤ فى مواجهته، وبالتالى تعملق الكوارث الناجمة عنه (المؤامراتية والمستقبليات – أدب ونقد - يناير 2024).
- إن فهم الأحداث والتوجهات يتطلب الانتباه إلى السياقات الأعم وسائر أوضاع الشأن العام (مثل سقوط سور برلين، والالتفافات الأمريكية على مجلس الأمن بغية ضرب العراق (2003)، وزيف الترويج للفوضى الخلاقة).
- إن المعرفة طاقة "تتولد" من عمليات التساؤل، و"تنضج" بالتفكير العلمى، وبالحوار، وبجماعية التفكر، مما يجعل فى تنحية المعرفة قبولًا بالتهلكة.
ذلك يعنى أن الوجدان الدولى الجديد جاء متأخرًا جدًا، فقط مع انكشاف السلوكيات التطرفية للتحالف النيوليبرالى/الصهيونى.
هذه الوضعية تنبه إلى ضرورة تبنى حركية المعرفة (بمعنى التقييم وإعادة التقييم والتقويم والتطوير)، وذلك بأكثر جدًا من الاصطفاف الأيديولوجى. فى هذا الصدد تجدر الإشارة إلى تجسُّد الوجدان الدولى فى توليد معالم إنسانية فكرية جديدة، مثل:
- تنوع خلفيات المشاركين فيه، مهنيًا ودينيًا وعمريًا وجندريًا.. إلخ.
- ظهوره كسلوك فطرى.
- تشابه الناس، شمالًا وجنوبًا، فى المعاناة، والتوجه الإنسانى.
- تفتح الأذهان على متطلبات جديدة بخصوص الأمن البشرى وأمن الأوطان.
ولأنه من المنطقى أن يكون لهذه المعالم الجديدة تأثيراتها بشأن المستقبليات، فإن التعامل مع الانعكاسات المرتقبة يستدعى النظر فى كل من السياقات الحاضنة للتطرف الدولى، ومتطلبات المواجهة.
أولًا- السياقات الحاضنة للتطرف الدولى:
كانت أحداث غزة العتبة المفجرة لافتضاح تسيُّد «فكر القوة» وانعكاساته التطرفية/الإرهابية، الأمر الذى بات يتجسد فيما يلى:
1- عملقة الديكتاتوريات الدولية واشتداد خنق الديمقراطية، خاصة بعد سقوط سور برلين، وذلك على غرار تعاظم مشكلات البيئة والمناخ، وانحرافات الأمن الدولى فى أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، والحرب الروسية/الأوكرانية، وخطف الرئيس الفنزويلى، إضافة إلى خضوع الإدارة الأمريكية لإسرائيل فى دعم عداءاتها للسلام والاستقرار.
2- صراع طبقى عالمى من نوع جديد تتشكل عناصره الرئيسية من الرأسمالية الشرسة وأتباعييها، وشريحة من يمكن اعتبارهم بروليتاريا العلماء والتكنولوجيين، وخُدّام تضافرية النيوليبرالية والصهيونية (من نشطاء [مثل إبستين] ومن مؤلفين [مثل صمويل هنتنجتون])، ومليارات الإنسان العادى.
3- حوكمات تسلطية لقمع الحريات الأكاديمية، شمالًا وجنوبًا.
4- تطرفات مصاحبة لاتفاقيات التجارة الدولية (الجات)، والتى أفرزت منظمة التجارة العالمية. هنا يجدر الانتباه إلى ما يلى من ملاحظات وأبعاد تطرفية لهذه الاتفاقيات:
- إنها تُعَدُّ امتدادًا تحديثيًا لاتفاقية بالطا للتجارة الحرة، والتى فرضتها بريطانيا على الإمبراطورية العثمانية عام 1838، ووقع عليها محمد على بالإجبار (1840).
-إنها لم تكن تتضمن اتفاقية لحقوق الملكية الفكرية (تريبس)، نظرًا لوجود منظمة معنية بهذا الأمر (المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية)، غير أنها (التريبس) فُرِضَت على الجات (فى يونيو 1988) بضغط من الشركات الكبرى.
- إن العالم، من خلال منظمة الأمم المتحدة للتعاون فى التجارة والتنمية، كان قد صك اتفاقية بعقد لنقل التكنولوجيا (1979 - 1989)، كترتيب للمساهمة فى تقدم البلدان النامية، الأمر الذى جرى إلغاؤه بفعل "الجات".
- أنه عندما نجحت الجهود المعارضة لاتفاقية حقوق الملكية الفكرية فى التوصل إلى ترتيبات لصالح الدول النامية، بمسمى المرونات TRIPs flexibilities (الدوحة 2001)، اخترعت الإدارة الأمريكية ما أسمته TRIPs Plus، كاتفاقيات منفردة بينها والبلدان الأخرى، خصيصًا لتخطى "مرونات الدوحة".
5- تطرفية الاستخدام المزمن لـ"فيتو" مجلس الأمن، لحماية الكيان الإسرائيلى من العقاب على انتهاكاته للقانون الدولى، فضلًا عن مواصلته لاغتيال المقاومين والسياسيين والعلماء.
6- لا إنسانية النيوليبرالية، والتى تتجسد فى أمور مثل:
- تعظيم توجيه البحوث العلمية/التكنولوجية، لإحلالها محل البشر ولإنجاز تفوقات عسكرية صفرية معادية للآخر وللبيئة.
- تغيير معايير إدارة المؤسسات فى اتجاه تقليص الحريات والانتماءات.
- تدهور الاكتراث بتزايد إفساد المناخ وتدمير الأرض.
- استهداف تخفيض تعداد البشر.
- صنع ودعم التطرفيات والانقسامات والإبادات العرقية (مثل مآسى البوسنة وبوروندى وغزة وليبيا وإيران).
7- ممارسات فكر القوة، والتى تتجسد فى تآمريات، مثل:
- عدم الاكتراث بالمحاكمات الدولية.
- إيقاف المساهمات المالية لبعض منظمات الأمم المتحدة (مثل الصحة العالمية).
-التصدى الشرس لضاربى الإنذار whistleblowers والذين يسعون للعدالة والسلام، مثل حالتى جوليان أسانج وإدوارد سنودن.
ثانيًا- مكانة الوجدان الدولى الجديد بشأن مواجهة التطرف الدولي:
برغم بزوغ الوجدان الدولى الجديد، وتواصل تصاعده، كمًا ونوعًا، إلا أن شراسات التحالف النيوليبرالي/الصهيونى لم تتوقف، بل قد امتدت إلى أماكن أخرى (إيران ولبنان وغيرهما)، فهل ليس لهذا الوجدان تأثيرٌ على الأوضاع الدولية؟
فى هذا الخصوص يمكن القول بأنه ربما فى وجودية هذا الوجدان عاملًا مساهمًا لدفع قوى عالمية أخرى (كالصين وروسيا وأسبانيا.. إلخ) للاهتمام والبحث بشأن الأدوار الإيجابية الممكنة، ومتطلباتها.
من جانب آخر، نُذَكِّر بأن الوجدان الدولى الجديد ليس بثورة، وإنما هو انتفاضة ثورية يتولد عنها عزمٌ مشجع ومرشد بشأن إدارة المواجهة.
وأما عن المواجهة ذاتها، فالأمر يحتاج إلى التعرف على جوهر الإشكالية المعوقة للمواجهة، ومعايير المواجهة، وأشكالها وأدواتها.
أ) طبيعة الإشكالية المعوقة للمواجهة:
تكمن هذه الإشكالية فى أن غالبية قيادات أنظمة الحكم، شمالًا وجنوبًا، هى قيادات محافظة Conservative (خاصة فى الشمال)، و/ أو اتباعية للآخر الأقوى (خاصة فى الجنوب).
ب) المعايير المطلوبة بشأن المواجهة:
1. أنه بينما تقوم التطرفات الدولية السائدة على ممارسة “فكر القوة”، فإن مواجهتها لا تقوم إلا بـ”قوة الفكر”، الأمر الذى يكاد يكون غائبًا فى عالم اليوم، وإن كان فى المواجهة الإيرانية الجارية (ومن قبلها طوفان الأقصى) علامات لمنهجية قوة فكر، الأمر الذى يستحق معالجة خاصة.
2. ضرورة تجنب مواجهة التطرف بالتطرف، وحتى لا تفنى الحقيقة ذاتها.
3. أن تكون المواجهة ترجمة لما يجسده الوجدان الدولى الجديد من معطيات وقيم وطموحات.
ج) أشكال المواجهة وأدواتها:
فى المجمل، تكمن أشكال وأدوات المواجهة فى قوة الفكر، والتى يمكن الوصول إليها من خلال:
1- جماعية المفكرين فى التعامل مع القضايا ذات الصلة بممارسة المواجهة، مثل تفكيك سلبيات العولمة، والتخلص من استبدادية افتعال جريمة العداء للسامية.. إلخ.
2- دعم التفاعل التواصلى «المجتمعى»، على المستويات المحلية والدولية.
3. تعظيم المأسسة، والتى يمكن أن تتمثل مداخلها الرئيسية فيما يلى:
-إيقاظ ودعم المكونات المؤسسية المُغَيَّبة، أو تلك التى تنقب عن الأدوار والفاعليات المناسبة لها، مثل النقابات، والجمعيات والاتحادات والمنظمات الأهلية (أكاديمية وغير أكاديمية)، والأحزاب، والبرلمانات.
-الحفاظ على (وتحسين) فاعليات المؤسسات الدولية والإقليمية القائمة.
4. البحث فى (وعن) المسكوت عنه بشأن الأمن البشرى ومتطلباته.
5. حوكمة ممارسات السلطة (شمالًا وجنوبًا).
6. الارتقاء بخرائط التنمية، بربط عمليات التقدم المجتمعى ببعضها.
الخلاصة:
وبعد، يرجع تجنبنا للاسترسال فى التفاصيل لقناعتنا بأن المواجهة لا تأتى من خلال طرح فردى، وإنما - وفقط - بالتفكر المنهجي/المعرفي/الجماعى، والنابع أساسًا من «كيانات»، وليس أفرادًا.
هكذا جاء طوفان الأقصى، وهكذا تجرى المقاومة الإيرانية، وهكذا يكون التصدى لتحالفيات الشر.
ذلك يعنى أن الخلاص يكون فى «قوة الفكر». هذا بالضبط ما يحتاجه العالم الآن (المستقبل بين فكر القوة وقوة الفكر - المكتبة الأكاديمية - 2006).
خبير صناعة الأدوية ورئيس هيئة الرقابة الدوائية السابق.