لا يبدو أن لعبة عض الأصابع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ستنتهى قريبا، فكل طرف يعرف جيدا نقاط القوة ونقاط الضعف لدى الطرف الآخر، وموافقة الخصمين على إجراء مفاوضات غير مباشرة فى العاصمة العمانية مسقط لا تعنى على الإطلاق أنهما قد جنحا للسلم، أو أن قطار التفاوض سيصل إلى محطته النهائية بإبرام اتفاق يحول دون اندلاع الحرب ولو مؤقتا.
على الجانب الأمريكى كانت الرسائل واضحة لا لبس فيها فداخل غرف التفاوض عن بعد كان الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأمريكية فى الشرق الأوسط حاضرا بزيه العسكرى، فى إشارة عميقة الدلالة على أن إطار التفاوض من وجهة النظر الأمريكية سياسى وعسكرى، وأن القوة الأمريكية ممثلة فى أعلى قيادة عسكرية فى المنطقة ليست غائبة عن الجهود الدبلوماسية.
وبعد ساعات من انتهاء جولة التفاوض غير المباشرة فى مسقط كانت الرسالة الثانية حيث زار ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأمريكى، وجاريد كوشنر صهر الرئيس ترامب حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس إبراهام لينكولن» بدعوة من الأدميرال براد كوبر.
هذه الزيارة التى قيل إنها جاءت للتعبير عن الامتنان لأفراد القوات الأمريكية فى المنطقة، أكملت جملة تفاوضية بدأت بحضور براد كوبر للمفاوضات غير المباشرة، ومفادها أن ترامب وإن كان قد سمح بانطلاق المفاوضات مع إيران فإنه لا يزال يحتفظ بالخيار العسكرى لإرغام إيران على القبول بشروطه التى هى فى جوهرها شروطا إسرائيلية وضعها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو وفريقه المتطرف.
وهذا ظهر بوضوح فى منشور لمستشار ترامب ستيف ويتكوف على وسائل التواصل الاجتماعى عقب زيارة حاملة الطائرات حيث أوضح أنه التقى برفقة براد كوبر وجاريد كوشنر، بالبحارة ومشاة البحيرة على متن حاملة الطائرات ومجموعتها الضاربة، مشيدا بـ«دورهم فى الحفاظ على أمن الولايات المتحدة ودعم رسالة الرئيس ترامب للسلام من خلال القوة».
ترامب الذى وصف جولة مفاوضات مسقط بأنها كانت «جيدة للغاية» لم يفوت الفرصة لإعادة التأكيد على أنه لا يستبعد الخيار العسكرى ضد إيران حيث قال: «لسنا فى عجلة من أمرنا» مذكرا بما فعله فى فنزويلا حيث كان قد كثف من الحشد العسكرى الأمريكى قبل شهور من تنفيذ عمليته ضد كراكاس واختطاف الرئيس الفنزويلى.
أما على الجانب الإيرانى فقد تزامن مع انطلاق جولة المفاوضات غير المباشرة نشر إيران خطتها للمواجهة العسكرية واستعدادها للحرب بعد تغيير عقيدتها القتالية إلى الهجوم لا الدفاع ، وبعد ساعات من انقضاء جولة «مسقط» التفاوضية قال وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى: إن إيران مستعدة لمهاجمة القواعد الأمريكية فى المنطقة إذا نفذت واشنطن تهديدها بضرب إيران، موضحا إن إيران لن تهاجم الدول المجاورة بل ستهاجم القواعد الأمريكية فيها وهناك فرق شاسع بين الأمرين.
وأضاف عراقجى من العاصمة القطرية الدوحة إن احتمال اندلاع الحرب قائم دائما، ونحن على أهبة الاستعداد لها.
هكذا يلعب الطرفان على المكشوف ويشاركان فى جولات تفاوض بينما يواصلان الاستعداد لجولة جديدة من المواجهة العسكرية، جولة لن تكون بكل تأكيد كالجولة الأخيرة فى مطلع يونيو الماضى.
أما نتيناهو فيواصل جهوده من أجل دفع ترامب إلى عمل عسكرى ضخم ضد طهران إذا ما أخفقت المفاوضات فى إرغامها على القبول بالشروط الإسرائيلية وفى مقدمتها برنامج إيران للصواريخ الباليستية وملف دعم وكلائها الإقليميين «جماعة الحوثى فى اليمن وحزب الله فى لبنان والتنظيمات الشيعية المسلحة فى العراق»، وهو ما لم تتعرض له جولة التفاوض الأولى فى مسقط.
ولعل هذا ما دفع نتياهو إلى طلب عقد اجتماع مع ترامب يوم الأربعاء المقبل فبحسب مكتب نتنياهو فى بيان صدر السبت الماضى فإن نتنياهو شدد على أن أى مسار تفاوضى مع طهران يجب أن يتضمن فرض قيود صارمة على برنامجها للصواريخ الباليستية ووقف دعمها «للمحور الإيرانى فى المنطقة».
وعلى هذا النحو لا يبدو أن الأسابيع المقبلة ستحمل حسما لهذا الصراع سواء بالتوصل إلى اتفاق أو التوجه نحو عملية عسكرية.