تاتا زكى والرقص على إيقاع التريند - سمير عمر - بوابة الشروق
الإثنين 12 يناير 2026 12:19 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يفوز بكأس الأمم الإفريقية ؟

تاتا زكى والرقص على إيقاع التريند

نشر فى : الأحد 11 يناير 2026 - 8:00 م | آخر تحديث : الأحد 11 يناير 2026 - 8:00 م

فى زمن غير الزمن، حيث لا هواتف ذكية توثق التفاصيل لحظة بلحظة، ولا وسائل تواصل اجتماعى تقتحم حياتنا دون استئذان، كانت هناك سيدة من سيدات المجتمع المخملى تُدعى «تاتا زكى».

شعرت بالملل من زوجها المحامى الشهير، ووقعت فى غرام رجل من العائلة التى كانت تحكم مصر قبل ثورة يوليو. فحاولت الحصول على الطلاق من زوجها، لكن الزوج، تحت وطأة الشعور بالخيانة، رفض تطليقها. وكانت القصة حديث صالونات من تبقّى من الطبقة الأرستقراطية فى مصر عام 1959.

فى هذه الأثناء، وفى محاولة من السيدة الحسناء لدفع زوجها للطلاق، ذهبت «تاتا زكى» إلى دار أخبار اليوم، والتقت بصاحبها ورئيس تحريرها مصطفى أمين، وروت له قصتها طلبًا للمساعدة. وفى اليوم التالى، كان العنوان فى صدر الصفحة الأولى للجريدة: «اختفاء أجمل سيدة فى مصر»، لتتحول القصة إلى حديث الناس فى مصر.

كانت مصر عام 1959 تواجه تحديات معقدة بعد نحو عام من الوحدة مع سوريا، وانطلاق عمليات التنمية والمشروعات الكبرى، والقرارات الثورية على مختلف الأصعدة. لكن قصة السيدة «تاتا» كانت لها الصدارة، ودارت ماكينات الطباعة لتلاحق تفاصيل الحكاية وتقدمها لجمهور القراء.

غضب الرئيس جمال عبد الناصر مما سماه «صحافة الإثارة»، وفى خطابه بمناسبة عيد الثورة، هاجم هذه النوعية من الصحافة التى توجه بوصلة اهتمام الرأى العام نحو ما لا يفيد، متجاهلة ما تواجهه الدولة من تحديات. فى هذا الخطاب، تحدث عبد الناصر عن الصحافة التى لا تهتم بقضايا المواطنين، فى الوقت الذى تخصص فيه مساحات كبيرة لأخبار العاطلين بالوراثة وأبناء الطبقة الأرستقراطية التى نشأت أثناء الحكم التركى والاحتلال البريطانى.

تشبه حكاية «تاتا زكى» ومتابعة الناس لتفاصيلها ما نعيشه فى هذه الآونة من تهافت رواد «السوشيال ميديا» على متابعة كل ما هو تافه وغث، بل وبذىء فى كثير من الأحيان.

فى الأسبوع الماضى، أجريت بحثًا سريعًا عن الأكثر رواجًا فى مصر على منصات التواصل الاجتماعى، فلم أجد، بكل أسف، قضية واحدة تستحق المتابعة. فقد كانت الأخبار من باتوا يعرفون بالمؤثرين من «التيكتوكر واليوتيوبر» فى موقع الصدارة، تمامًا كما كان الحال فى الأسبوع الذى قبله، والشهر الذى سبقه.

يزداد الأمر سوءًا حين تدخل اللجان الإلكترونية على خط المعارك الإعلامية لتوجيه دفة المتابعات للحصول على لقب الأكثر رواجًا. واللجان الإلكترونية هنا ليست تلك التى توجهها أجهزة الدول، والتنظيمات والقوى السياسية والطوائف الدينية لعرض مواقفها أو الدفاع عن مصالحها، بل باتت اللجان الإلكترونية عنوان مرحلة صعبة. فهناك لجان إلكترونية لبعض الفنانين، وأخرى تلعب لصالح مشاهير كرة القدم فاشلين ورياضيين مغمورين، وثالثة فى خدمة إعلاميين لا علاقة لهم بالمهنة ولا يمتون لها بأى صلة، ورابعة تحت سيطرة شركات سيئة السمعة، وخامسة وسادسة إلخ.

كل هؤلاء أغرقوا المشهد الإعلامى، الذى يعانى أصلا من مصاعب ومعوقات كثيرة، فى بحر التفاهة والبذاءة والانحطاط.

إن السعى وراء «التريند» مرض عضال أصاب كل فئات المجتمع، وأمام «هوس السوشيال ميديا» سقط الجميع إلا من رحم ربى.

حسنا فعلت الشركة المتحدة حين قررت منع متابعة أخبار «المؤثرين» بعد فضيحة الكروان والعندليب، ومن قبلها الست «أم القتيلة» ويومياتها، وطريقة نطقها للكلمات، وإدارتها لمسلسل «فرش الملاية» و«الردح» على قارعة منصات التواصل الاجتماعى.

لا يمكن لأى منصف أن ينكر أن حالة الصحافة والإعلام فى مصر ليست كما نريد ونتمنى، لكن أيضًا لا يمكن أن نلقى بالمسئولية فقط على الدولة وأجهزتها. صحيح أن الجانب الأكبر من المسئولية يقع على عاتق الدولة، لكن لا ينبغى أن نتجاهل عناصر المشهد الأخرى، فاضلاع المثلث ثلاثة: الدولة وأجهزتها، والصحفيون والإعلاميون، والمجتمع.

أمّا الدولة، فمطالبة دائمًا بهامش حريات أوسع، وقوانين تحفظ حق المجتمع فى المعرفة، وممارسات تحمى حرية الرأى والتعبير. والجماعة الصحفية والإعلامية مطالبة بتطهير نفسها وكشف الدخلاء عليها، والعمل على تدريب وتطوير ورفع كفاءة أعضائها لمواجهة موجات التفاهة الآخذة فى الاتساع. ساعتها سيكون المجتمع قادرًا على التمييز بين الغث والثمين، فيذهب الزبد ويبقى ما ينفع الناس ويمكث فى الأرض.

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات