كنا فى ثانى أيام عيد الفطر المبارك، حيث اعتدنا أن نجتمع على صلاة الظهر، ليبدأ بعدها احتفال العشيرة المحمدية بالعيد، وكما هى العادة فى هذه المناسبة، كان شيخنا الشيخ محمد زكى إبراهيم يبدأ حديثه بالترحيب بالضيوف، وكان من بين الضيوف فى هذا العيد الشيخ محمد الطوخى، والمفكر خالد محمد خالد.
ولما كنت فى هذه السنة قد أصبحت واحدا من فريق الإنشاد بالمسجد، فقد كان موقعى قريبا من صدارة المجلس أتفحص وجوه الضيوف قبل أن يبدأ «شيخنا» فى الترحيب بهم وإعلان أسمائهم.
عرفت الشيخ محمد الطوخى دون جهد، أما المفكر خالد محمد خالد ، فلم أتبينه بين الحضور إلا حين ذُكِر اسمُه، فرفع يده وطأطأ رأسه محييا الشيخ وجموع المريدين.
قبل أن يبدأ فى تقديم الابتهالات حرص الشيخ محمد الطوخى على توضيح أنه ليس والد الفنانة «إيمان الطوخى»، مضيفا أنها ابنة الفنان «محمد الطوخى»، لم يرق لى هذا الاستهلال ، لكنى تفهمته وتجاوزته حين بدأ فى الإنشاد:
عودى على أرض النبوة والهدى
بالنصر يا ذكرى وحيى أحمدا
حيى النبى الهاشمى وأمة
بهداه تمشى لن تهاب من اعتدا
أخذتنى ابتهالات الشيخ محمد الطوخى، ووجدت نفسى أردد خلفه
من يثرب لاح الصباح معطرا
وبمكة صوت النبوة أنشدا
الله أكبر لن تهان عزيمة
لكتائب هتفت تحيى محمدا
كانت ابتهالات الشيخ الطوخى بمثابة تهيأة وجدانية لحديث المفكر خالد محمد خالد، الذى تحدث فى هذا اليوم عن شيخنا الشيخ محمد زكى إبراهيم ومكانته العلمية، وتحدث عن التصوف ودوره فى تنقية النفوس، وتحدث عن النبى الأكرم صلى الله عليه وسلم قائلا إن عظمته تتمثل أول ما تتمثل فى إنسانيته «يا له من مفتاح عظيم لقراءة سيرة النبى الأكرم».
كانت هذه هى المرة الأولى التى أستمع فيها مباشرة للأستاذ خالد محمد خالد، وقبلها كنت قد قرأت له وعنه عدة مقالات كانت تركز بشكل رئيسى على مواقفه مع الزعيم جمال عبد الناصر، ووقفته أثناء اجتماعات اللجنة التحضيرية لمناقشة «الميثاق» مدافعا عن الديمقراطية، ورفض جمال عبد الناصر وشايات الواشين ضده.
أقول حتى هذه اللحظة «أواخر الثمانينيات حيث كنت فى سن السادسة عشر تقريبا «لم أكن قد قرأت أيا من كتب خالد محمد خالد حتى كتابيه المهمين» من هنا نبدأ
و«مواطنون لا رعايا»..
لكنى بعد هذه الواقعة وجدتنى مشدودا نحو أفكاره، أتتبع مقالاته وأبحث عن كتبه
ومن على سور الأزبكية أخذت كتابه «من هنا نبدأ».
فى رمضان قبل نحو خمسة عشر عاما، نظمت ومجموعة من أصدقاء الطفولة ورفقاء الصبا حفل إفطار جماعيا فى مسقط رأسى قرب مسجد السلطان قايتباى، وبعد الإفطار أجرينا مسابقة فى المعلومات العامة، كان مجموع جوائزها نحو خمسة آلاف جنيه.
لكن مع الجائزة المالية قررت أن يمنح كل فائز نسخة من كتاب الأستاذ خالد محمد خالد «محمد والمسيح» واتفقت مع الفائزين..
- كان من بينهم أحد أبناء الحى من المسيحيين - على أن نلتقى مرة أخرى بعد عيد الفطر لنتناقش فيما ورد بالكتاب من أفكار.
كنت ومازلت أعتقد أن هذا الكتاب يعد واحدا من أهم كتب خالد محمد خالد، بل ولا أبالغ إن قلت إنه واحد من أهم الكتب التى صدرت فى هذا المجال، ففيه يأخذ خالد محمد خالد بيد قارئه ويسير بهدوء نحو القيم الإنسانية العليا التى جاء بها المسيح عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله.
كلما قرأت هذا الكتاب أستعيد ذكرى لقائى الأول بالأستاذ خالد محمد خالد، وترحيب شيخنا محمد زكى إبراهيم به، وثنائه عليه..
فى مقدمة الكتاب يقول خالد محمد خالد:
هذا ما أريده تماما..
أن أقول للذين يؤمنون بالمسيح، وللذين يؤمنون بمحمد:
برهان إيمانكم – إن كنتم صادقين – أن تهبوا اليوم جميعا لحماية الإنسان، وحماية الحياة.
وليس هذا الكتاب تأريخا للمسيح، ولا تأريخا للرسول.. فتاريخهما قد بُسط بسطا لا يشجع على التكرار..
وإنما هو تبيان لموقفهما من الإنسان، ومن الحياة.. أو بتعبير أكثر سدادا: موقفهما مع «الإنسان»، ومع «الحياة»..
كتب خالد محمد خالد هذا الكتاب أواخر الخمسينيات وقدم قبله وبعده كتبا مهمة فى السيرة النبوية والتاريخ الإسلامى، كما قدم إسهامات مهمة فى الفكر الإنسانى والحرية والديمقراطية، لكن يبقى فى رأيى «معا على الطريق محمد والمسيح» من أهم ما قدم وأروع ما كتب.