هى واحدة من المرات النادرة التى وجدت نفسى فيها مضطرا للنقاش فى موضوع كنت أتجنب الحديث فيه، لكننى وأمام إلحاح أحد الأصدقاء الذين ضربتهم «فتنة ترامب الكبرى» خالفت عهدا قطعته على نفسى قبل عدة سنوات، فأما العهد فهو: عدم الخوض فى الحديث عن «الفتنة الكبرى» التى وقعت على عهد سيدنا عثمان بن عفان وأدت إلى قتله، وآثارها الكارثية الممتدة حتى الآن، وأما الواقعة التى بسببها قطعت على نفسى هذا العهد، فكانت جلسة دردشة عادية ضمتنى وعددا من الأصدقاء، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى سجال كاد أن يتطور إلى شجار بين المتحاورين على خلفية الموقف من الشخصية المثيرة للجدل «عبد الله بن سبأ».
وعبد الله بن سبأ الذى يحلو للإسلاميين بمختلف توجهاتهم أن يحملوه مسئولية وقوع الفتنة، هو شخص مختلف عليه أشد الاختلاف، حتى إن عددا من الباحثين ذهب إلى أنه شخصية وهمية مختلقة، والسبب فى ذلك هو الضبابية التى تحيط به من حيث نسبه ونشأته ومسيرته بل وحتى وفاته ، أما ما كان محل اتفاق فهو ديانته اليهودية وأمه الحبشية إذ كان يعرف بـ«ابن السوداء».
ويحمل أغلب المؤرخين المسلمين الأوائل «عبد الله بن سبأ» مسئولية أحداث الفتنة الكبرى فهو حسب تاريخ الطبرى ظهر فى الحجاز ثم انتقل إلى البصرة، ومنها إلى الكوفة، حتى استقر فى مصر حيث وجدت أفكاره قبولا فى مصر فعاش فيها وأخذ يُكاتِبُ أنصاره فى البصرة والكوفة، أما أفكاره التى روجها فى مصر فكانت إلى جانب تأليب الرعية على الخليفة عثمان وولاته على الأمصار، ما عرف بعقيدة «الوصية» و«الرجعة».
و«الرجعة» تعنى القول بعودة النبى الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث قال:
«لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع، وقد قال الله عز وجل: إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد، فمحمد أحق بالرجوع من عيسى».
و«الوصية» حسب ما نسبوه لعبد الله بن سبأ تظهر فى القول بأنه كان ألف نبى ووصى، وكان على بن أبى طالب وصى النبى محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلى خاتم الأوصياء.
كثيرة هى القصص المنسوبة إلى عبد الله بن سبأ حتى إنهم نسبوا إليه أنه كان وراء إقناع الصحابى الجليل «أبى ذر الغفارى» بموقفه المناهض للخليفة عثمان بن عفان ومبدئه فى رفض الترف والإسراف الذى كان عليه عدد من أقاربه!!
الخلاصة أن أصحاب هذا الرأى وجدوا فى شخصية «عبد الله بن سبأ» بغض النظر عن وجودها من عدمه، الحل السحرى الذى يعفيهم من قراءة تفاصيل الوقائع والسياق الذى وقعت فيه أحداث الفتنة الكبرى، وبدلا من محاولة فهمها لتجنب آثارها الكارثية، راحوا يكيلون الاتهامات لهذا الشخص اليهودى الذى أظهر الإسلام كذبا، لينشر الفتن والأفكار الضالة فى الأمة الإسلامية، وفاتهم أن هذا الشخص مهما بلغت قوة تأثيره فإنه كان يتحرك فى أوساط الصحابة الأجلاء الذين تربوا على أخلاق النبى الأكرم، وأن نجاح هذا الرجل فى نشر الفتنة فيما بينهم كما يقولون، يطعن فى صدقهم وقوة إيمانهم وصلابة عقيدتهم.
الكارثة الكبرى أن هذا المنهج توارثته الأجيال وبات لكل عصر «عبد الله بن سبأ» الذى يلقى عليه بالمسئولية فيما يقع بين العرب والمسلمين من فتن وحروب.
«فإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» لا نصلح بينهم، بل ولا حتى نسعى لفهم أسباب الخلاف ودوافع الاقتتال بل نهرب إلى البحث عن «عبد الله بن سبأ» لنحمله مسئولية الوقيعة بين الفريقين.
وأمامنا تاريخ العرب والمسلمين منذ وقوع الفتنة الكبرى وحتى الآن، فى كل مرة نعجز فيها عن توحيد الصفوف لمواجهة الأعداء، نهرول بحثا عن «شماعة» عبد الله بن سبأ.
العدو الباطنى الذى يقلب الأشقاء على بعضهم البعض ويزرع الفتنة بينهم.
لا يعنينى الآن ما إذا كان عبد الله بن سبأ شخصية حقيقية أم خرافية، ما يعنينى حقا هو هذا الأثر العميق الذى تركه فى الذهنية العربية والإسلامية ، فأمام كل خلاف عميق يضرب جذور العلاقات العربية / العربية يقفز منهج عبد الله بن سبأ ، فيحمل العرب مسئولية خلافاتهم لشخص أو جماعة أو عدو حقيقى أو متخيل، المهم أنهم لا يعترفون بأخطائهم، ولا يقرون بأنهم مختلفون
إن التخلص من فكرة «عبد الله بن سبأ» هو السبيل الوحيد لفهم أنفسنا والاعتراف بأن مواقفنا مختلفة وآراؤنا متباينة، وحين نتمكن من ذلك سنكون قادرين على البحث عن مخرج يقودنا إلى توحيد الكلمة ورص الصفوف لمواجهة الأعداء الحقيقيين.
مراجع اعتمد عليها كاتب المقال:
تاريخ الطبرى
البداية والنهاية: ابن كثير
الفتنة الكبرى: طه حسين