مهما كانت نتيجتها، ليست الحرب التى أطلقها بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب لحظةً عابرة فى تاريخ المنطقة. بل إنها محطة أساسية فى مسار تغييرها، بل هى دلالة على أنها تغيرت بعيدا، كل البعد، عن الأطر التى نشأت عليها وعن الجهود التى بُذلت لترسيخ استقرارها.
كان يمكن لإيران أن تتخلى تدريجيا عن التشدد الدينى والمذهبى، وعن تصدير هذا التشدد، بالتحديد كما تخلت الدول الخليجية عن التشدد الدينى والمذهبى وتصديره، خاصة أن أغلبية المجتمع الإيرانى، كما مجتمعات الخليج، قد تخطت فى واقع وعيها إرث هذا التشدد. إلا أن قادة إيران، وشعبها أيضا – ما يفسر عدم سقوط نظامها بالسهولة التى كان نتنياهو يتوقعها – عاشوا وما زالوا يعيشون فى هواجس الحرب العراقية-الإيرانية المدمرة للبلدين، والحصار، ثم الغزو الأمريكى للعراق، الذى حرم هذا البلد الثرى، ولأمدٍ طويل، من أن يزدهر ويحظى شعبه بما يستحق. وها هى هذه الهواجس تلحق بهم.
وفى حين تُثار اليوم إمكانية إعادة عائلة «ملك الملوك» (شاهنشاه) إلى الحكم فى إيران، لا ينسى الإيرانيون كيف أسقطت الولايات المتحدة وبريطانيا وزارة محمد مصدق عام 1953 لأنه حاول أن تستفيد بلاده من مزايا نفطه، على الأقل كما العربية السعودية حينها. كما لا ينسون، فى المقابل، كيف أن دولا غربية احتضنت الإمام الخمينى وتوجهاته المتشددة طويلا، كى يأتى بـ«الثورة الإسلامية»، مع كل التغيرات التى أحدثتها فى الواقع الإيرانى وفى المنطقة. حتى خصوم «ولاية الفقيه» يدركون ذلك جيدا، وما زالوا يتساءلون لماذا ساهمت دول غربية أساسا فى إسقاط شاه إيران، ويخشون أن تؤدى الحرب الحالية إلى تقسيم البلاد و«تغيير الخرائط».
لقد أدى وصول الخمينى إلى الحكم إلى صدمة ارتفاعٍ كبير فى أسعار النفط، تخطت «الصدمة النفطية» التى حدثت بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وإيقاف الدول العربية تصدير النفط لمن دعم إسرائيل واستمرار احتلالها للأراضى الفلسطينية والعربية... وللقدس. بالتزامن شهدت دول الخليج، من جراء هذه «الصدمة النفطية» الثانية، ارتفاعا كبيرا فى إيراداتها، ساهم فى النهضة الكبيرة التى عرفتها منذ تلك الأوقات. إلى أن استنفذت الحرب العراقية-الإيرانية مواردها، وانهارت من جديد أسعار النفط عام 1985، لتؤدى إلى أزمة مالية فى معظم الدول العربية، حيث عرفت حينها سوريا ولبنان ومصر والأردن انهيارا ماليا خانقا.
تلا ذلك اجتياح العراق للكويت عام 1990، وما برره صدام حسين حينها بالأزمة المالية التى عرفها بعد توقف حربه مع إيران، ليبدأ أول تدخل عسكرى كبير للولايات المتحدة فى المنطقة، كى يستنزف من جديد إيرادات النفط الخليجية. وانتهى بانتشارٍ غير مسبوق لقواعد الدول الأجنبية فى معظم البلدان العربية. ثم أتى الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، الذى دفع شعب العراق إلى حربٍ أهلية طاحنة وإلى بروز «داعش»، بين طيات تنظيم «القاعدة» الذى كان قد لقى فى البداية دعما عربيا كبيرا فى مسيرة هزيمة الاتحاد السوفييتى فى أفغانستان. ومن جديد استنزفت الحرب الأهلية العراقية، وبعدها الحروب التى تلت «الربيع العربى» فى ليبيا والسودان واليمن وسوريا، مزيدا من موارد النفط، ذهبت بعيدا عن تنمية بلدان الخليج والدول العربية الأخرى على السواء.
مواردٌ تُستنزَف وآمال تنمية تذهب هدرا، فى ظل غياب كامل لأية آلية لترسيخ الأمن والتعاون الضروريَّين فى المنطقة، سواء بين البلدان العربية نفسها، مع تقلص جدوى جامعة الدول العربية، أو حتى بين البلدان الخليجية التى أسست مجلس تعاون خاصا بها، وكذلك بين الدول العربية وإيران وتركيا، اللتين عرفتا إرثا تاريخيا مشتركا طويلا معها.
• • •
لقد أدى غياب آلية أمن وتعاون إقليمى راسخة إلى انخراط كل دولة على حِدة فى هواجس أمنية خشيةً من تلاعب «أختها» الإقليمية فى أمنها الداخلى، والذهاب نحو سباق تسلح واسع النطاق يستنزف مواردها، ولا تستفيد منه سوى الدول المصنعة للسلاح عبر ثراء شركاتها. كما أدى ذلك، مع الاستخدام الكبير من كل الأطراف للتشدد الدينى، لهذا المذهب أو ذاك، أو للجماعات السياسية المسلحة ولتنظيمات ما قبل الدولة، إلى طغيان المخاوف على الاستقرار الداخلى وعلى السلم الأهلى، ما أخذ إلى تصدير الصراعات البينية إلى الدول الهشة.
بالطبع كانت الدول الهشة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، بعد غزو العراق، هى الحلقة الأضعف. صحيحٌ أن هشاشتها هى التى أدت إلى اضطرابات اجتماعية فيما سُمى «الربيع العربى». ولكن كان يُمكِن لهذه الاضطرابات أن تنتهى دون حروب أهلية، لولا تدفق المال والسلاح إليها. ومشهد الحروب الأهلية الطويلة فى اليمن والسودان وسوريا وليبيا شاهدٌ على التنافس الإقليمى المتعدد الأقطاب، ليس فقط من قبل إيران أو تركيا، بل أيضا من قبل الدول العربية ذاتها. وكان الخارج البعيد هو المستفيد الأساسى من هذا كله.
بالتزامن غلب خطاب وقف «التمدد الشيعى» فى المنطقة، ما غيب التحدى الأمنى الأساسى الذى تشكله إسرائيل، الذاهبة دوما للتوسع والهيمنة، ليس فقط على الدول الهشة التى تحيط بها، وإنما أيضا على بقية الدول برمتها. وغيب التسارع المتباين بين الدول نحو «السلام الإبراهيمى» – وكأن الإشكالية هى إشكالية دينية وليست صراعا بين دول على النفوذ – التنافس الشديد القائم بين دول المنطقة. كما غير من طبيعة "اتفاقيات السلام" التى عقدتها بعض الدول العربية مع إسرائيل اضطرارا... لكف بلائها. بل أضحى التعاون الأمنى مع إسرائيل وسيلةً للتنافس بين الدول الإقليمية.
هكذا لم تعُد إسرائيل، فى نظر الكثيرين، هى الخطر على أمن المنطقة، وإنما لاعبا أكبر. فى حين تستفيد إسرائيل من غياب منظومة أمن وتعاون عربى أو إقليمى كى تصبح هى … اللاعب الإقليمى الوحيد المهيمن، وكى تُنشئ تحالفات أمنية فى محيطٍ أبعد من المنطقة لهذا الغرض.
• • •
لقد تمت إبادة أهل غزة الفلسطينيين وتدمير منازلهم وأرضهم، وحصار من بقى منهم فى سجنٍ أصغر من قبل، دون رادع إقليمى، ودون غضبٍ حقيقى يوازى الغضب – غير المسلح – الذى ظهر تضامنا مع مصر وسوريا سنة 1973. وتتالت سلسلة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان – الذى يشكل، رغم انقساماته المذهبية، وبالتحديد بسبب تنوعه، نقيضا للدولة العبرية القائمة على هيمنة لون دينى واحد – أيضا دون رادع. بل عوقب لبنان لأنه قاوم، مع خطابٍ يتحدث عن حصرية السلاح فى الدولة، دون أن يدعم أحدٌ الجيش اللبنانى، خاصةً بعد الانهيار المالى للبلد.
هكذا تأخذ الحرب القائمة اليوم كل المنطقة إلى تحديات جديدة. فهل ستقبل دول المنطقة أن تنهار إيران ككيان وتتشرذم فى حروب أهلية؟! تركيا تعارض ذلك، لأنها تعرِف أن الدور سيأتى فيما بعد عليها. وماذا إذا اجتازت إيران أزمة انهيارها؟ هل ستخضع لحصارٍ طويل كى يأتى الغزو البرى بعد عقدٍ، كما حدث للعراق؟ وهل ستدفع هذه الحرب وتداعياتها دول الخليج إلى إقامة منظومة أمن واستقرار مشتركة تكون ركيزة لأمن المنطقة برمتها؟ أم سيستمر التنافس بينها بانتظار المحطة التالية من توسع الهيمنة الإسرائيلية؟
لا إجابة اليوم عن هذه التساؤلات، إذ لم تأخذ تداعيات الحرب الحالية كل مفاعيلها لدى قادة الدول وفى الرأى العام. وليس التموضع سهلا على أى من هذه الدول التى كان نتنياهو وترامب يعرفان جيدا أنها ستُجر حُكما إلى الحرب. فى حين تكمُن العبرة الآنية فيمن سيضغط لوقف الحرب، ليس فقط على إيران، بل أيضا على لبنان، الذى يحلُم نتنياهو بأن يستعيد ما فقده عندما انسحبت إسرائيل عام 2000. كما تكمُن العبرة فيمن سيتذكر فى هذه الظروف غزة وفلسطين، حيث تستمر المعاناة وتستمر الإبادة والغطرسة الإسرائيلية.
رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب