عالم شديد العتمة - خولة مطر - بوابة الشروق
الإثنين 9 فبراير 2026 12:38 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

عالم شديد العتمة

نشر فى : الأحد 8 فبراير 2026 - 9:25 م | آخر تحديث : الأحد 8 فبراير 2026 - 9:25 م

من الصعب على أىٍّ منا أن يتجاهل بعضًا مما جاء فى ملفات إبستين ذات الثلاثة ملايين صفحة، وربما الأدقّ أنه يصعب على أىٍّ منا أن يتصور هذا الحجم من الانحدار، بل السقوط على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأخلاقية. فيما ندرك أن كثيرًا مما ذُكر ما هو إلا جزء بسيط من قمة جبل الجليد الذى برز فجأة من قاع الأرض أو المحيط أو المستنقع الملىء بقذارة الكون.

• • •

ولا يستطيع أى منا أن يدّعى أنه قادر على معرفة كل ما كان يدور فى تلك الجزيرة أو غيرها من مؤامرات واتفاقيات وأعمال لا يمكن وصفها إلا بأنها من خيال علمى، خاصة وأن سياستهم - أى من يدّعون قيادة العالم - هى الحجب التام أو الإغراق فى التفاصيل والأوراق المليونية. ولذلك فلن نستطيع أن ندّعى معرفة حجم الانحدار، رغم أن ما أبرزته الصحافة حتى الآن يبدو كافيًا ليشكك أى متابع فى إنسانية هؤلاء كلهم، أى نجوم فضيحة إبستين!!!

• • •

وفيما نحن هنا نتابع استمرار حرب الإبادة فى غزة وكل فلسطين، بل ولبنان وسوريا واليمن، فى الوقت الذى انتشر فيه الرعب ليصل إلى مياه الخليج الراكدة خوفًا من حرب أمريكية قادمة على إيران، الوجهة الجديدة لسلسلة من حروب «الكوبوى» الأمريكى، الذى قام بأكثر من 17 حربًا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية (كوريا، فيتنام، أفغانستان، العراق، سوريا، اليمن، باكستان، الصومال، ليبيا، النيجر، مالي، تشاد، البوسنة، كوسوفو، غرينادا، وبنما وغيرها من الأعمال)، حيث تشير بعض المصادر التحليلية إلى أن الولايات المتحدة قامت بما يقرب من 400 تدخل عسكرى فى أنحاء العالم منذ تأسيسها فى العام 1776، أى قبل الحربين العالميتين بسنين طويلة.

• • •

ربما أكثر المشاهد وجعًا هى تلك التى تظهر فيها وجوه بريئة لفتيات قاصرات، بل طفلات صغيرات، يتحوّلن فريسة فى أيدى رجال السياسة والاقتصاد والفن والعلم؛ حتى الأكاديميون لم يسلموا من الانحدار فى هذا المستنقع إلا نادرًا. وجوههن البريئة تشبه مرايا لعوالم سفلية، خلف ستار ما يُسمّى بالعالم المتحضّر، الديمقراطى، المدافع عن حقوق الإنسان.

• • •

وعندما تتشدّق الولايات المتحدة بأن عمل الأطفال فى بعض المجالات خطرٌ عليهم، وتفرض قيودها على دول الجنوب باسم حماية الطفولة، ندرك حجم النفاق والكذب الدولى. أتذكر بشديد الوضوح فى تسعينيات القرن الماضى وما بعدها، عندما قامت أمريكا باستخدام ملف عمل الأطفال كأداة ضغط سياسى واقتصادى فى علاقاتها مع دول العالم النامي، ومنها مصر، عندما قدّم عضو الكونجرس الأمريكى توم هاركن مقترح قانون يحظر استيراد السلع المنتجة من قبل أطفال. يبدو أن توم هاركن وآخرين فى الإدارة الأمريكية نسوا أو تناسوا أن استغلال الفتيات فى الدعارة يُصنَّف على أنه من أسوأ أشكال عمل الأطفال حسب المنظمات الدولية.

• • •

قضية إبستين ليست فضيحة جنسية فحسب، بل هى مرآة مكبّرة لمنظومة كاملة قامت على الابتزاز، وشراء الصمت، وتحويل البشر إلى أدوات، والعدالة إلى سلعة. ما تكشفه هذه الملفات - مهما بدا صادمًا - لا يمثل سوى جزء يسير من شبكة معقّدة تربط المال بالسياسة بالإعلام، حيث تُدار القرارات الكبرى فى غرف مغلقة، بينما يُترك للرأى العام فتات الحقيقة.

• • •

الأخطر من الجريمة نفسها هو ذلك الصمت الطويل، والتواطؤ المنهجى، والقدرة المذهلة على حماية المتورطين، لا لشىء إلا لأنهم ينتمون إلى طبقة «فوق المساءلة». رؤساء سابقون، أمراء مال، مشاهير، ورجال أعمال عابرون للقارات - جميعهم يتحركون ضمن دائرة حصانة غير مكتوبة، تجعل الضحية مجرد رقم، والعدالة مؤجلة إلى أجل غير مسمّى.

• • •

وما يجمع بين جزيرة إبستين وغزة وبغداد وكابول هو العقلية ذاتها: عقلية الاستباحة. استباحة الجسد فى الجزيرة، واستباحة الأرض وأهلها فى فلسطين، واستباحة الحقيقة فى الإعلام. كل ذلك يجرى تحت شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما الواقع يقول إن الإنسان هو فى ذيل أولوياتهم.

• • •

إبستين ونجوم فضيحته يطرحون سؤالًا هو فى جوهر النظام الكونى للعدالة والأخلاق: فأى عالم هذا الذى يسمح بمثل كل هذا الكم من الإجرام الممنهج فى الطائرات الخاصة وفوق اليخوت الفارهة؟ وأين المحاسبة لكل هذه الأسماء التى برزت، وغيرها من المدفون فى تفاصيل الأوراق المليونية، وغيرهم كثيرون؛ لأن إبستين، كما يبدو، لم يكن الاستثناء!!!

كاتبة بحرينية

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات