العطاء الذى يصون الماضى ويبنى المستقبل - ياسمين الشاذلي - بوابة الشروق
الثلاثاء 11 أغسطس 2026 7:54 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

العطاء الذى يصون الماضى ويبنى المستقبل

نشر فى : الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 6:35 م

كثيرًا ما نغضب حين نرى تاريخ مصر يُساء تفسيره، أو حين تظهر نظريات تحاول الاستحواذ عليه أو نسبه إلى جماعات بعينها، أو حين تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعى ادعاءات لا تستند إلى أدلة علمية أو أثرية. وفى السنوات الأخيرة، أثارت بعض التيارات الأفروسنتريّة وغيرها من الاتجاهات، جدلًا واسعًا بين المصريين، وارتفعت الأصوات المطالبة بالدفاع عن الهوية المصرية وعن تاريخ مصر وحضارتها.

لكن ربما ينبغى أن نسأل أنفسنا ماذا نفعل نحن، عمليًا، من أجل حماية هذا التاريخ؟

الدفاع عن التاريخ لا يتم فقط بمنشور غاضب على وسائل التواصل الاجتماعى، ولا بالاعتراض على فيلم أو مسلسل أو معرض فى الخارج. ومن المؤسف أن يكون الرد على النظريات الأفروسنتريّة ردًا عنصريًا يسىء إلى أخوتنا الأفارقة. الدفاع الحقيقى عن التاريخ يبدأ من المؤسسات التى تدرسه وتنتج المعرفة عنه: أقسام الآثار والمصريات فى الجامعات، وأقسام التاريخ واللغة العربية والدراسات العربية والإسلامية، والمكتبات، والمتاحف، ومراكز البحوث، ومشروعات التوثيق، والحفظ والترميم. هذه المؤسسات هى التى تحافظ على التراث الثقافى وتُخرّج الباحثين القادرين على دراسة المصادر الأصلية، وقراءة النصوص القديمة، وفهم المادة الأثرية، ونشر الأبحاث العلمية، والمشاركة فى المؤتمرات الدولية، والرد على الادعاءات غير العلمية بالحجة والدليل. فإذا كنا نريد أن يكون للمصريين صوت قوى فى كتابة تاريخهم، فعلينا أولًا أن نضمن وجود جيل من الباحثين المصريين يمتلك الأدوات والإمكانات التى تسمح له بأن يكون حاضرًا ومؤثرًا على الساحة العلمية الدولية.

• • •

وهنا يأتى دور لا نتحدث عنه كثيرًا فى مصر: دور التبرع فى دعم المعرفة والتراث. فى كثير من الجامعات الكبرى حول العالم لا تعتمد الأقسام الأكاديمية على ميزانية الجامعة وحدها. هناك كراسٍ علمية تحمل أسماء المتبرعين، ومنح للطلاب والباحثين، وصناديق لتمويل الأبحاث والسفر للمؤتمرات، ومكتبات ومختبرات ومراكز بحثية أنشئت أو تطورت بفضل تبرعات الأفراد والمؤسسات. وقد يختار شخص ثرى أن يمول أستاذية كاملة فى مجال معين، أو منحة دراسية لطالب متفوق، أو مشروعًا لنشر كتاب علمى، أو برنامجًا لتدريب جيل جديد من الباحثين.

والأمر نفسه ينطبق على المتاحف. فالصورة الشائعة بأن المتاحف الكبرى فى العالم تمتلك موارد مالية غير محدودة ليست دقيقة. كثير من المتاحف تعانى من محدودية التمويل، وتعتمد بدرجات متفاوتة على التبرعات والرعاة وبرامج العضوية وجمع التبرعات لتمويل المعارض والترميم والتعليم والبحث العلمى وتطوير قاعات العرض والمقتنيات.

أما فى مصر، فما زلنا نميل إلى الاعتقاد بأن حماية الآثار وتمويل المتاحف والجامعات مسئولية الدولة وحدها. بالطبع، تتحمل الدولة المسئولية الأساسية عن حماية التراث القومى والتعليم والبحث العلمى، ولا ينبغى أن يحل العمل الخيرى محلها. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون المجتمع شريكًا للدولة وبين أن يقف متفرجًا فى انتظار أن تقوم الدولة بكل شىء.

لدينا فى مصر رجال وسيدات أعمال قادرون على إحداث فارق حقيقى. ولدينا عائلات تمتلك ثروات كبيرة، وشركات تنفق مبالغ ضخمة على الإعلان والرعاية والأنشطة المختلفة. فلماذا لا يصبح دعم دراسة التاريخ والثقافة وحماية التراث جزءًا أساسيًا من ثقافة المسئولية الاجتماعية والعمل الخيرى؟

وزارة السياحة والآثار مدركة تمامًا لهذا وقد قامت بعمل لائحة للرعاية، ولكن لا يكفى وجود لائحة، يجب الترويج لها ولآلية الرعاية والتبرع، كما يجب أن تكون هناك ثقافة التبرع لحماية الممتلكات الثقافية. لنتخيل، مثلًا، أن يتبرع رجل أعمال لترميم أثر، أو صيانة مجموعة متحفية، أو رقمنة أرشيف، أو تدريب مرممين وأمناء متاحف، أو تطوير وسائل العرض فى متحف إقليمى، أو دعم برنامج تعليمى يربط الأطفال والشباب بتراثهم.

• • •

وفى مجال التعليم، لماذا لا نسمع عن رجل أعمال ينشئ صندوقًا لتمويل منح الدراسات العليا فى علم المصريات، بحيث يتمكن سنويًا عدد من الطلاب المصريين المتميزين من استكمال دراساتهم دون أن تقف ظروفهم المادية عائقًا أمامهم؟ أو عن أسرة مصرية تموّل كرسيًا أكاديميًا فى التاريخ الإسلامى أو الفن والعمارة الإسلامية يحمل اسم أحد أفرادها؟ أو عن شركة تتكفل بتحديث مكتبة أحد أقسام الآثار، أو تمويل الاشتراك فى قواعد البيانات والدوريات العلمية التى يحتاج إليها الباحثون، أو نشر رسائل الدكتوراه والكتب الأكاديمية؟

لقد سمعنا عن عائلة مصرية معروفة تبرعت لدعم قسم إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة وتعزيز قدرته على تقديم تعليم وبحث علمى بمستوى عالمى. ولم يكن الهدف مجرد وضع اسم أحد كبار رجال الأعمال على مبنى أو مؤسسة جامعية، بل تأسيس إرث تعليمى طويل الأمد يرتبط باسم المتبرع ويستثمر فى أجيال متعاقبة من الطلاب والباحثين.

فلماذا لا نرى مبادرات مماثلة لدعم علم المصريات فى الجامعة نفسها؟ ولماذا لا يتبرع أحد لدعم قسم علم المصريات فيها، وهو من أعرق وأهم أقسام هذا التخصص فى العالم، ويقصده طلاب من جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وكامبريدج، للدراسة فيه؟ ولماذا لا يفكر أحد فى إنشاء وديعة تضمن تمويلًا مستدامًا لإنشاء برنامج دكتوراه فى علم المصريات أو الحضارات العربية والإسلامية؟ فهذه التخصصات، على الرغم من أهميتها العلمية والثقافية، تعانى من محدودية التمويل، بينما تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تصبح مقصدًا للطلاب والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

لقد ترسخت فى المجتمع المصرى ثقافة قوية للتبرع فى مجالات عديدة، خصوصًا العلاج ومساعدة المحتاجين وبناء المؤسسات الخيرية، وهذه مجالات بالغة الأهمية بلا شك. لكن مفهوم العمل الخيرى يمكن أن يتسع ليشمل المعرفة أيضًا.

فتمويل طالب علم هو استثمار فى الإنسان، وإنقاذ مخطوط نادر هو صون للمعرفة، وترميم أثر مهدد هو حفاظ على الذاكرة، ودعم مكتبة عامة أو جامعية هو استثمار فى أجيال من القراء والباحثين، والحفاظ على أرشيف تاريخى هو أمانة نؤديها للأجيال القادمة. وكل ذلك صور من العطاء للمجتمع لا تقل أهمية عن أشكال العطاء الأخرى.

ولعلنا نحتاج كذلك إلى أن تتعلم مؤسساتنا الثقافية والأكاديمية نفسها كيف تطلب الدعم. فجمع التبرعات تخصص قائم بذاته فى الجامعات والمتاحف العالمية. يجب أن تكون هناك مشروعات واضحة يمكن للمتبرع أن يعرف أهدافها وميزانيتها ونتائجها، وأن تكون هناك شفافية كاملة فى أوجه الإنفاق، وأن يشعر المتبرع بأن مساهمته أحدثت أثرًا ملموسًا. ويمكن أن تتنوع مستويات الدعم، فلا يقتصر الأمر على أصحاب المليارات، بل يصبح من الممكن لأى شخص أن يساهم بما يستطيع. كما ينبغى أن نعيد النظر فى الطريقة التى نخلد بها أسماء من خدموا المجتمع. لماذا لا يصبح من الطبيعى أن يحمل معمل أو مكتبة أو منحة أو كرسى جامعى اسم الشخص الذى موّله؟ لماذا لا يكون تمويل البحث العلمى وحماية التراث مصدرًا للمكانة الاجتماعية مثل التبرع لمستشفى أو مؤسسة خيرية؟

• • •

نحن نطالب العالم باحترام تاريخنا، وهذا حقنا. ونرفض تشويه حضارتنا أو اختزالها أو الاستيلاء الرمزى عليها، ومن حقنا أيضًا أن نفعل ذلك. لكن الحقوق الثقافية يصاحبها واجب ثقافى. إذا كنا نريد أن يكون المصرى هو الأقدر على الحديث عن تاريخ مصر، فعلينا أن نساعد فى تكوين هذا المصرى: أن نمول تعليمه، وبحثه، وكتبه، ومشاركته فى المؤتمرات، ووصوله إلى المصادر. وإذا كنا نريد آثارًا محفوظة ومتاحف تليق بحضارة مصر، فعلينا ألا ننظر إلى وزارة السياحة والآثار وحدها، بل إلى أنفسنا أيضًا. قد يستطيع أحدنا أن ينقذ أثرًا، وآخر أن يمول باحثًا، وثالث أن يدعم مكتبة، ورابع أن يتكفل بمنحة دراسية. وقد يترك رجل أعمال وراءه مبنى أو شركة تحمل اسمه، لكن بإمكانه أيضًا أن يترك وراءه جيلًا كاملًا من العلماء.

التاريخ لا يحمى نفسه. والهوية لا تُصان بالغضب وحده. فإذا كنا حقًا نخشى على تاريخ مصر، فقد حان الوقت لأن نساهم بأموالنا، بقدر استطاعتنا. فالدفاع عن التراث يبدأ بالاهتمام به، أما الحفاظ عليه للأجيال القادمة فيحتاج أيضًا إلى الاستثمار فيه.

معاون وزير الآثار لشئون المتاحف الأسبق،  والمشرف على إدارة المنظمات الدولية والتعاون الدولى الأسبق

 

ياسمين الشاذلي معاون وزير الآثار لشئون المتاحف الأسبق والمشرف على إدارة المنظمات الدولية والتعاون الدولي الأسبق
التعليقات