العدالة الدولية بين إشكاليات السياسة وتحديات التطبيق - قضايا عالمية - بوابة الشروق
الإثنين 9 فبراير 2026 12:38 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

العدالة الدولية بين إشكاليات السياسة وتحديات التطبيق

نشر فى : الأحد 8 فبراير 2026 - 9:20 م | آخر تحديث : الأحد 8 فبراير 2026 - 9:20 م

لا يمكن فهم العدالة الدولية بوصفها نتاجا ظرفيا أو استجابة آنية لأزمات عابرة، بل هى ثمرة مسار تاريخى طويل سعى من خلاله الإنسان إلى إخضاع علاقاته الجماعية لمنطق القانون بدلا من منطق القوة. وقد تطورت هذه العدالة فى سياق جدلى تفاعلى بين الإنسان والمجتمع والقانون، إلى أن تبلورت فى صورتها المعاصرة كمنظومة قانونية دولية يفترض أن تضطلع بدور محورى فى حماية حقوق الإنسان، وصون كرامته، وترسيخ السلم العالمى.

غير أن هذا الطموح المعيارى يصطدم بواقع دولى يتسم باختلال موازين القوى وتنامى النزاعات المسلحة، وهو ما أدى إلى اهتزاز الثقة فى حياد آليات العدالة الدولية وفعاليتها. وعلى الرغم من هذه الإشكالات البنيوية، تظل العدالة الدولية هى الإطار القانونى الأسمى للمساءلة عن أخطر الجرائم الدولية، وأداة لا غنى عنها لتنظيم العلاقات بين الدول.

• • •

تعد العلاقة بين القانون والسياسة من أكثر الإشكاليات تعقيدا فى النظام الدولى، إذ يستعصى الفصل التام بين المجالين على المستويين النظرى والعملى. فبينما تمارس السياسة بوصفها أداة لإدارة شئون الدولة وتوجيه علاقاتها الخارجية، فإنها تستند، من حيث المبدأ، إلى إطار قانونى يمنحها المشروعية ويقيد حركتها. غير أن هذه العلاقة لا تسير فى اتجاه واحد، إذ تؤثر السياسة بدورها فى صوغ القواعد القانونية، وفى استحداث المؤسسات القضائية الدولتية، وتحديد آليات عملها، بما يكشف عن تداخل بنيوى عميق بين المجالين.

وتعمل المؤسسات الدستورية والتشريعية والتنفيذية، فضلا عن الأجهزة الدبلوماسية، من ضمن الحدود التى يرسمها القانون الدولى، وتبقى من حيث المبدأ ملزمة باحترام قواعد الشرعية الدولية. غير أن امتداد النفوذ السياسى إلى المجال القضائى، سواء على الصعيد الوطنى أم الدولى، يشكل مساسا خطيرا باستقلال القضاء، ويقوض إحدى الركائز الأساسية للعدالة، ويؤدى إلى تآكل ثقة الشعوب فى المؤسسات القضائية. ومن ثم، يعد استقلال القضاء شرطا جوهريا لصون العدالة وضمان سمو القانون فوق سائر الاعتبارات السياسية.

غير أن الممارسة الدولية تكشف عن فجوة واضحة بين الإطار القانونى المعيارى والواقع السياسي، إذ تظل العدالة الدولية فى كثير من الأحيان رهينة لتوازنات القوة والإرادات السياسية، ولاسيما فى ظل تضارب المصالح بين الدول الكبرى. ويتجلى هذا الواقع فى عدد من القضايا المعاصرة، من بينها الدعوى التى رفعتها أوكرانيا ضد روسيا أمام محكمة العدل الدولية فى العام 2023، حيث ظل تنفيذ التدابير المؤقتة مرهونا بحسابات مجلس الأمن. كما برز التأثير السياسى بوضوح فى القضية التى أقامتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل فى العام 2024 بشأن جريمة الإبادة الجماعية فى غزة، وما صاحبها من مواقف متباينة للقوى الكبرى، الأمر الذى أثار تساؤلات جدية حول قدرة القضاء الدولى على فرض قراراته بمعزل عن الضغوط الجيوسياسية.

ويتعزز هذا الاتجاه بما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية فى العام 2025 من فرض عقوبات على مسئولين وقضاة فى المحكمة الجنائية الدولية عقب إصدار مذكرات توقيف بحق مسئولين إسرائيليين، فى خطوة اعتبرت تدخلا مباشرا فى عمل القضاء الدولى وتقويضا لاستقلاله. فى حين يبرز توجه فنزويلا نحو الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية مثالا على كيفية تأثير الاعتبارات السياسية فى التزامات الدول القانونية. فإن انسحاب فنزويلا يعكس تقديرا سياسيا لمصالحها الوطنية وخشيتها من مساءلة مسئوليها، بما يوضح أن الدول قد تقلص التزاماتها القانونية متى تعارضت مع مصالحها السياسية المباشرة.

وهكذا يتبين أن العدالة الدولية، على الرغم من رسوخها القانونى، تتقاطع فى الممارسة مع حسابات القوة والمصلحة، الأمر الذى يجعل الامتثال للقانون الدولى نتيجة لتوازن دقيق بين الالتزام المبدئى والقرار السياسى.

• • •

تواجه العدالة الدولية تحديات جسيمة منذ بدايات القرن العشرين، وهو ما دفع المجتمع الدولى إلى استحداث آليات قضائية دولية لملاحقة مرتكبى أخطر الجرائم، بعدما ثبت عجز العديد من المحاكم الوطنية عن تحقيق العدالة فى هذا المجال. وقد شكلت محكمتا نورمبرج وطوكيو، عقب الحرب العالمية الثانية، التجربة الأولى فى هذا السياق، تلتها المحاكم الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ورواندا، ثم المحاكم المختلطة فى دول مثل سيراليون ولبنان، وصولا إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة. وعلى الرغم من هذا التطور المؤسسى، وجهت إلى هذه الآليات انتقادات متكررة تتعلق بانتقائية القضايا، وازدواجية المعايير، وغياب أدوات تنفيذية فعالة تضمن نفاذ قراراتها.

وتعتمد المحكمة الجنائية الدولية اعتمادا شبه كامل على تعاون الدول فى تنفيذ أوامر القبض ومذكرات التوقيف، وهو ما يؤدى فى كثير من الأحيان إلى تعطيل مسار العدالة، كما برز فى حالتى الرئيس السودانى السابق عمر البشير، ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو. وتتفاقم هذه الصعوبات عندما يتعلق الأمر بقادة دول يتمتعون بنفوذ سياسى أو بحماية حلفاء استراتيجيين من القوى الكبرى، كما هو الحال فى إصدار المحكمة مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، حيث تداخل العامل السياسى بشكل واضح فى عمل العدالة الجنائية الدولية. ويتجلى ذلك أيضا فى النزاعات المعاصرة فى فلسطين وأوكرانيا، فضلا عن الضغوط الأمريكية المتكررة على عمل المحكمة.

وقد أثار هذا الواقع انتقادات متزايدة بشأن ما اعتبر تركيزا انتقائيا لاختصاص المحكمة على القارة الإفريقية، الأمر الذى أسهم فى ترسيخ الشعور لدى عدد من الدول الإفريقية بازدواجية المعايير فى تطبيق العدالة الجنائية الدولية.

وتظهر هذه الأمثلة أن فاعلية المحكمة الجنائية الدولية تظل رهينة بمدى التعاون الدولى، وحجم الضغوط السياسية، وقدرة الدول الكبرى على التأثير فى مسار العدالة، بما يعكس التوتر المستمر بين منطق القانون الدولى واعتبارات السياسة. وعلى الرغم من هذه العقبات البنيوية، تبقى العدالة الدولية مطلبا إنسانيا لا غنى عنه، وأملا للشعوب المقهورة، ومرجعا أخلاقيا وقانونيا لالتزام المجتمع الدولى بمبادئ الشرعية والإنصاف. كما تؤكد التجارب التاريخية، من محاكم نورمبرج إلى المحكمة الجنائية الدولية فى صورتها المعاصرة، إمكانية إحداث تحولات جوهرية متى ما توافرت الإرادة الدولية حول ذلك.

• • •

تتجلى فاعلية العدالة الدولية بصورة أوضح لدى ربطها بأمثلة واقعية تبرز طبيعة التفاعل القائم بين الآليات القانونية من جهة، والإرادة السياسية والضغط المجتمعى من جهة أخرى. فقد كشفت الحرب الدائرة على أرض أوكرانيا منذ العام 2022 كيف أسهم التوثيق الإعلامى المكثف وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية فى دفع المحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيقات وإصدار مذكرات توقيف بحق مسئولين روس، فى خطوة أكدت أن تحريك القضاء الدولى غالبا ما يرتبط بدرجة تعبئة الرأى العام الدولي، حتى وإن ظلت إشكالية تنفيذ القرارات القضائية قائمة.

وفى السياق ذاته، أظهرت الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين فى غزة خلال عامى 2023 ــ 2024 الدور المحورى الذى اضطلعت به منظمات حقوق الإنسان، مثل «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية، فى توصيف هذه الأفعال ضمن إطار القانون الدولى الإنسانى. وقد أسهم ذلك فى إدراجها فى إطار المناقشات الأممية والقضائية، ورفع منسوب المطالب الدولية بمساءلة المسئولين عنها، على الرغم مما يحيط بالقضية من تعقيدات سياسية وضغوط جيوسياسية متشابكة.

كما تعد قضية دارفور أنموذجا دالا على أثر المتابعة الدولية المستمرة فى إبقاء المسار القضائى قائما؛ حيث أسهمت تقارير المنظمات الدولية، ومداولات مجلس الأمن، والتغطية الإعلامية المتواصلة فى حفظ اهتمام المجتمع الدولى بالقضية، على الرغم من تقلب المواقف السياسية وتفاوت أولويات الفاعلين الدوليين. وفى هذا الإطار، تشكل أحكام المحكمة الجنائية الدولية جزءا من جهود أوسع للمساءلة الدولية، قد تتأثر بالسياق السياسي، لكنها تظل قائمة ما دامت تحظى بمتابعة مؤسسية ووعى جماهيرى مستمر.

وتبرز هذه النماذج أن العدالة الدولية ليست آلية جامدة أو منظومة مثالية معزولة عن الواقع، بل إنها مسار تراكمى يتقدم كلما تلاقت القواعد القانونية مع ضغط الرأى العام العالمى. فكلما ارتفعت الكلفة السياسية لتجاهل الانتهاكات الجسيمة، اقتربت إمكانية تفعيل آليات المحاسبة وتقليص هامش الإفلات من العقاب.

ختاما، تظل العدالة الدولية رهانا إنسانيا لا بديل عنه فى مواجهة منطق القوة، ومسئولية جماعية تتجاوز حدود المؤسسات القضائية لتشمل الدول، والمجتمع المدنى، ووسائل الإعلام، والرأى العام العالمى. وعلى الرغم مما يعترى هذا المسار من عوائق بنيوية وتسييس، فإن الإصرار على تفعيله يظل السبيل الوحيد لمنع تكريس الإفلات من العقاب، ولترجمة مبدأ كرامة الإنسان من قيمة أخلاقية مجردة إلى التزام عملى داخل النظام الدولى المعاصر.

وفاء مرزوق

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى:

https://tinyurl.com/wmznkt6b

 

قضايا عالمية قضايا عالمية
التعليقات