لم تكن جنازة سيف الإسلام القذافى فى مدينة بنى وليد يوم الجمعة الماضى، مجرد وداعٍ لرجل تم تصفيته فى مرحلة اضطراب أمنى وسياسى، بل كانت مشهدا كاشفا لحقيقة ما آلت إليه الأوضاع فى ليبيا بعد نحو 15 عامًا على إسقاط نظام القذافى الأب.
الدولة التى لا تزال غائبة، والفوضى المستمرة، والصراع المتصاعد بين بارونات النفط الدوليين والإقليميين ووكلائهم فى الداخل، والنهب المنظم لثروات ليبيا، كل ذلك دفع قطاعات واسعة من الليبيين إلى الحنين للدولة القديمة.
الحشود التى خرجت فى الجنازة رافعة أعلام «الجماهيرية»، لم تكن تهتف لنظام القذافى ولا إلى تقلباته وشطحاته، بقدر ما كانت تبحث عن نموذج الدولة التى كان يمثلها، والتى ــ رغم كل شىء ــ كانت توفر الحد الأدنى من مقومات الدول.
لم يكن سيف الإسلام صاحب مشروع سياسى واضح لإصلاح دولة ممزقة بين شرق وغرب وميليشيات وأمراء حرب، يعمل كل منهم لصالح أجندات يتم وضع بنودها من الخارج، لكنه بدا فى نظر كثيرين المعادل الموضوعى والبديل المُجرب لمشروعات ما بعد 2011، التى فشلت فى بناء الدولة التى خرج الليبيون للمطالبة بها.
اغتياله حمل أكثر من رسالة؛ داخليا، أغلق الباب أمام أى محاولة لإعادة ترتيب المشهد الليبى على قاعدة الدولة الموحدة، وخارجيا، ثبت مصالح القوى المستفيدة من استمرار الفوضى؛ وهو ما يفسر حضوره كرقم صعب فى معادلة الحكم الليبية.
فى تقرير بالنسخة الإيطالية من «هافينجتون بوست»، اعتبرت الصحيفة أن اغتياله لا يعد مجرد تصفية لشخصية مثيرة للجدل فى ليبيا ما بعد عام 2011، بل يمثل إشارة سياسية تكشف عن الطبيعة غير المحسومة لبنية السلطة فى ليبيا.
الصحيفة قالت فى تحليل للكاتب أندريا مولى: إن هذه الواقعة تعكس أن ليبيا لا تزال ساحة تُدار فيها المنافسة السياسية، بقوة السلاح، لا من خلال مؤسسات مستقرة أو قواعد سياسية جامعة.
ورأت الصحيفة أنه يمكن فهم إقصاء سيف الإسلام القذافى باعتباره خطوة استباقية تهدف إلى حصر التنافس السياسى ضمن معادلات قائمة بالفعل.
فى مقابلة مع «نيويورك تايمز» عام 2021، قال سيف الإسلام إن من اعتقلوه بعد سقوط النظام تحرروا من وَهَم الثورة، وأدركوا لاحقا أنه قد يكون حليفًا لهم، وروى كيف جاءه أحد حراسه معتذرًا بعد مقتل ابنه بسبب الفوضى، معترفًا بأن «الثورة التى قاموا بها لم تكن صحيحة».
وصف القذافى الابن ما جرى فى ليبيا بأنه مهزلة، «بلد يصدر النفط والغاز ويعانى انقطاع الكهرباء.. بلا مال ولا أمن ولا حياة».
فى ديسمبر 2018، أجرت حركة «مانديلا ليبيا» استطلاعًا للرأى حول انتخابات الرئاسة المنتظرة، كشفت نتائجه أن 90% من المشاركين أيدوا سيف الإسلام رئيسًا للبلاد لـ«إعادة بناء الدولة واستكمال المشاريع فى ليبيا»، فيما أظهر استطلاع آخر أن 57% من المشاركين فى إحدى المناطق يثقون فى وصوله إلى منصب الرئاسة.
شعبية الابن المغدور ظلت تتصاعد؛ فكلما تعمق الفشل، وتعطلت محاولات توحيد الدولة ارتفع منسوب الحنين إلى ما يمثله سيف الإسلام، الذى ظل حتى اغتياله عنصر إرباك محتمل للتوازن الهش القائم بين القوى المتنافسة.
لا شك أن سياسات القذافى الأب وتمسكه بالسلطة لأكثر من أربعة عقود شكلت السبب الرئيسى فى اندلاع الثورة عليه، غير أن ارتدادت سقوطه، وما أعقبه من تكالب ضباع الفوضى على ليبيا، صاعد من مشاعر الندم لدى قطاع واسع من الليبيين.
جنازة بنى وليد أعادت إلى الأذهان معادلة مألوفة فى العديد من البلاد العربية، فالناس لا تُحبذ الاستبداد ولا التسلط، لكنها تخشى الفوضى، وحين يُخير المواطن بين دولة متسلطة وبين اللادولة، تميل غريزته إلى الأولى، ويُمنى نفسه بإمكانية الإصلاح التدريجى.
ليبيا ليست استثناء، فما جرى بعد 2011 فى العديد من دول الربيع العربى، حول الثورات من وعود بالتحرر والعدالة والمساواة إلى كابوس يومى؛ ومع كل عام يمر، تتآكل ذاكرة الجرائم التى ارتكبتها الأنظمة السابقة فى حق شعوبها، ويتصاعد الحنين إلى عهود كانت توفر الحدود الدنيا من متطلبات الحياة.
قد يكون اغتيال سيف الإسلام محاولة لإغلاق الباب نهائيًا على حقبة القذافى وما تمثله، لكن دلالات ما جرى فى جنازته تقول إن الماضى، بكل عيوبه، يتحول عند فشل الدولة إلى ملاذ نفسى وربما سياسى، لا حبًا فيه، بل هروبًا من الحاضر البغيض.