إرهاب إسرائيل المقدس والبلطجة الأمريكية - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأربعاء 7 يناير 2026 5:16 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

إرهاب إسرائيل المقدس والبلطجة الأمريكية

نشر فى : الأحد 4 يناير 2026 - 9:30 م | آخر تحديث : الأحد 4 يناير 2026 - 9:30 م

يبدو أن «الكابوس» الذى بشر به الأكاديمى الفلسطينى خليل نخلة قبل أكثر من أربعة عقود لم يعد مجرد تحذير لمفكر يستشرف المستقبل، بل واقعا يتشكل أمام أعيننا؛ إذ نجحت إسرائيل، وبدعم من وكلائها الإقليميين، فى تحويل أهدافها إلى خطوات تنفيذية، بما يضمن بقاءها وتفوقها، مقابل تفكيك وإضعاف الدول المحيطة بها.

تقوم الخطة الصهيونية التى استعرضها نخلة على مهمتين أساسيتين؛ الأولى أن تصبح إسرائيل قوة إقليمية مهيمنة، والثانية أن تعمل على تقسيم دول المنطقة إلى دويلات صغيرة تعتمد كل منها على مكوناتها الإثنية والطائفية.

نخلة دق جرس إنذار مبكر، محذرا الدول العربية من هذا المخطط الذى إن لم تتحسب له فسيحولها إلى كيانات مفككة تابعة لإسرائيل والتى ستصبح ــــــ للأسف ــــــ مصدرا للشرعية الأخلاقية للدويلات المصنعة.

تحذيرات نخلة جاءت فى معرض تعليقه على وثيقة الصحفى والدبلوماسى الإسرائيلى عوديد ينون، التى نشرها «اتحاد خريجى الجامعات الأمريكية العرب» مطلع ثمانينيات القرن الماضى، ووُصفت بأنها «أخطر بيان استراتيجى صهيونى كُتب عن الشرق الأوسط».

ظهرت الوثيقة فى سياق إقليمى مضطرب؛ حيث وقعت مصر اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، وما إن سقط حكم الشاه بانتصار ثورة الخمينى حتى اندلعت الحرب العراقية ـــــ الإيرانية. فى هذا المناخ، طرح ينون رؤيته لإعادة تشكيل خريطة المنطقة، بما يخلق بيئة ترى فيها الدولة العبرية ضمانا طويل الأمد لأمنها وتفوقها، وبما يحقق حلم «إسرائيل الكبرى».

 نُشرت الخطة للمرة الأولى عقب الاجتياح الإسرائيلى للبنان عام 1982، فى مجلة «كيفونيم» (اتجاهات) الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية. ولاحقا، أعاد مركز دراسات العولمة «جلوبال ريسيرش» نشرها عام 2015، واعتبرها محرر الموقع ميشيل تشوسودوفسكى حجر زاوية فى السياسات الإسرائيلية الحديثة، ولفت النظر إلى تطابقها مع توجهات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بما فيها حكومة بنيامين نتنياهو، ومع عقيدة المؤسستين العسكرية والأمنية.

تتضمن الخطة تصورا واضحا لمشروع «إسرائيل الكبرى»، بامتداد نفوذها إلى أجزاء من لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر والسعودية، مع الإبقاء على هذه المناطق فى صورة وحدات سياسية هشة تعتمد على إسرائيل فى بقائها وشرعيتها.

رؤية ينون أُعيد إنتاجها بقليل من التنقيح، وطرحها فى أكثر من مناسبة نتنياهو وشركائه فى الائتلاف اليمينى الحاكم، وأوضحتها خريطة لدولة الاحتلال نُشرت على منصات الحكومة الإسرائيلية الرسمية قبل شهور تشمل مساحات كبيرة من دول الطوق.

خطة ينون ليست طارئة على الفكر الصهيونى؛ إذ وثقتها الكاتبة الإسرائيلية ليفيا روكاش فى دراستها «إرهاب إسرائيل المقدس» عام 1980، استنادا إلى يوميات موشيه شاريت، رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق، مؤكدة أن تفكيك العالم العربى كان خيارا استراتيجيا مبكرا لدى قادة الكيان منذ تأسيسه.

حاولت إسرائيل تطبيق الخطة عمليا فى لبنان عبر غزوى 1978 و1982، تمهيدا لتفكيك سوريا ثم العراق والأردن، ثم إقامة حكومات خاضعة تُذعن لإرادتها، وقد أثبتت الوقائع التى جرت فى المنطقة خلال الشهور الأخيرة أن الاحتلال لم يتراجع عن تحقيق مقاصده، رغم ما جرى فى العالم من متغيرات.

فى مقابل هذا الوضوح الصهيونى الفج، يبرز فشل عربى مدو؛ حيث غابت الاستراتيجية التى يمكن الاستناد إليها فى مجابهة تلك المخططات، وصارت بيانات التنديد والشجب هى الأداة الوحيدة التى يُبرئ بها القادة ذمتهم فى مواجهة جرائم تل أبيب، ما فتح شهية الأخيرة لارتكاب المزيد من الجرائم من غزة والضفة الغربية إلى بيروت وصنعاء ودمشق، وحتى الدوحة. وما يجرى فى ليبيا والسودان واليمن الآن ليس بمعزل عن ذلك المخطط، بل حلقة جديدة فى سلسلة التفكيك التى تنفذها الدولة العبرية عبر وكلاء محليين وإقليميين.

نموذج الإرهاب الإسرائيلى فى الشرق الأوسط ما هو إلا محاولة لاستنساخ نموذج البلطجة الذى تمارسه الولايات المتحدة ضد جيرانها من دول أمريكا الجنوبية، التى تعتبرها واشنطن إقطاعيات فى فنائها الخلفى، لا يجوز لها أن تخرج عن فلكها أو تحقق إرادة شعوبها؛ بل يجب أن تظل تابعة، ومن يشق عصا الطاعة يُختطف من غرفة نومه، على ما جرى مع نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، فى عملية لا تنفذها إلا عصابة إجرامية، لا دولة من المفترض أن تحكمها القوانين الدولية.

السيطرة على مقدرات الدول وإرادتها وتحويلها إلى مجرد تابع، استراتيجية مارسها الغرب الاستعمارى لقرون، وتنفذها الولايات المتحدة باعتبارها وريث هذا الاستعمار، واستنسختها وتسعى إلى تنفيذها فى الشرق الأوسط إسرائيل، باعتبارها القاعدة الأمريكية الغربية المتقدمة فى المنطقة.

إن لم يعتصم العرب بحبل الوحدة، وإن لم تدرك الأنظمة أن نجاة هذه الأمة تبدأ بنبذ الخلافات والاتفاق على أجندة لمواجهة التهديدات، فالعواقب ستكون أبعد من الكابوس الذى حذر منه المفكر الفلسطينى خليل نخلة، إذ ستدخل المنطقة حقبة تصبح فيها إسرائيل هى الآمر الناهى، ويتحول فيها الشرق الأوسط إلى فناء خلفى تتحكم تل أبيب فى قراراته وخياراته.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات