من يعانون من أمراض شرايين شبكية العين غالبًا ما يعانون فى الوقت نفسه من مشكلات فى الذاكرة والقدرات الذهنية؛ لأنهم عادةً ما يعانون من أمراض فى شرايين المخ.
تلك النتيجة نشرتها النسخة الإلكترونية من الدورية المرموقة «علم الأعصاب» Medical Journal of the American Academy of Neurology فى عددها الصادر فى ١٤ مارس الحالى.
الباحثة الرئيسية فى الدراسة د. مارى هان «Mary Haan» أوضحت أن القصور الذى تم رصده فى العين، والذى يطال الشبكية، كان طفيفًا إلى الدرجة التى لا ينتج عنه أى أعراض تتعلق بالرؤية، إنما يمكن رصده بفحص قاع العين فقط. إذن من المفيد للغاية أن فحصًا بسيطًا كهذا لشرايين شبكية العين يمكنه أن يتنبأ بخطر قادم يتهدد وظائف المخ وسلامة قدرات الإنسان الإدراكية.
التجربة العلمية التى أُجريت فى جامعة كاليفورنيا ــ سان فرانسيسكو أُجريت على 511 سيدة تجاوزت أعمارهن جميعًا التاسعة والستين. وعلى مدى عشر سنوات كانت تُجرى لهن سنويًا اختبارات نفسية وعصبية تتيح الحكم على قدراتهن المعرفية، ومنها نشاط الذاكرة وسلامة القدرة على التفكير والحكم على الأشياء العامة والخاصة والقضايا المختلفة.
وكانت تُجرى لهن أيضًا فحوصات لشبكية العين إلى جانب تصوير المخ بتقنيات حديثة «الأشعة المقطعية».
أمكن رصد تغيّرات فى الشرايين الدقيقة التى تغذّى شبكية العين فى سجل 39 سيدة منهن، أما الباقيات فجاءت نتائج فحص شبكية العين لديهن سليمة. وكان من الملاحظ أن هناك تأثيرات واضحة فى القدرات الذهنية للسيدات اللاتى ثبت أن لديهن قصورًا فى شرايين الشبكية، كما لوحظ أيضًا أن هناك خللًا فى الشرايين الدقيقة التى تغذّى خلايا المخ، والتى أمكن تصويرها بالأشعة المقطعية. وظلّت تلك النتائج ثابتة رغم علاج حالات ارتفاع ضغط الدم والسكر بكفاءة، الأمر الذى يؤكد أن العلاقة تبقى بين حالة شرايين الشبكية والمخ دون تدخل عوامل أخرى.
كشوف النظر أيضًا لم يكن لها أى أثر يُذكر؛ فقصور شرايين الشبكية لم يكن عاملًا مؤثرًا بعد فى حدّة البصر أو وضوح الرؤية، إنما يتم اكتشافه فقط بفحص قاع العين.
الدراسة بلا شك توضح أن الكشف الدورى على العين لا يجب أن يتم عند وجود شكوى ما تتعلق بالإبصار، بل يجب أن يتم استباقًا للخطر، وليس استجابةً لخلل ما حدث.
كشف العين بالطبع جزء من كشف دورى يجب أن يضعه الإنسان فى الاعتبار كلما تقدم به العمر.
الكشوف الدورية نظام صحى تعمل به الدول التى تهتم بصحة مواطنيها وتعلن عنه بوسائل مختلفة، بل إن منها ما يُلزم المؤسسات بأن تجريه على موظفيها الأمر الذى يجد استحسانا من تلك المؤسسات ــ التى يهمها بالطبع التأكد من صحة وسلامة موظفيها - خاصة أن الدولة تساهم فى تكلفة تلك الكشوف الدورية.
إلى جانب اكتشاف الأمراض فى مرحلة تسمح بعلاجها وربما الوقاية منها، فإن الكشوف الدورية، إذا ما تمت بالصورة الصحيحة وشملت أكبر عدد من مواطنى الدولة، فإنها تعطى مؤشرات بالغة الأهمية عن الصحة بوجه عام، وأهم الأمراض المنتشرة، خاصة الأمراض الوراثية وتلك التى تنتشر فى مجتمعات بعينها، كالمجتمعات الصناعية أو مجتمعات متميزة البيئة، كالمجتمعات التى يعمل معظم من فيها فى الصيد أو الزراعة.
فى ظل اهتمام الدولة الحالى ببرامج التأمين الصحى، أتمنى لو اهتم المسئولون عنها ببرامج الكشف الدورى العام منها والخاص كذلك، الذى يهتم بالمرأة أو كبار السن.