وقفة واجبة مع خطة الحكومة - مدحت نافع - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 أبريل 2026 3:19 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

وقفة واجبة مع خطة الحكومة

نشر فى : الإثنين 27 أبريل 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الإثنين 27 أبريل 2026 - 6:30 م

 

بينما تترقّب اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب نسخة منقّحة تامة للخطة الحكومية متوسطة المدى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، يمكن الإبحار قليلا فى بعض الملامح التى عرضها السيد وزير التخطيط على البرلمان، لنستبين مدى اتساق هذه «النوايا التخطيطية» مع القيود الهيكلية التى تفرضها حقائق الموازنة وأزمات التمويل. إن المسألة اليوم لم تعد تتعلق بجاذبية الأرقام التى تُبشّر بها الحكومة، بل بمدى قدرة الدولة على الانتقال الفعلى من اقتصاد «الإنفاق العام الكثيف والحيز المالى المحدود» إلى مسار تقوده الاستثمارات الخاصة فى ظل بيئة دولية ومحلية شديدة التعقيد.

●●● 

تستهدف الخطة متوسطة المدى قفزات رقمية طموحة؛ أبرزها رفع معدل الاستثمار إلى نحو ٢٠٪ من الناتج المحلى الإجمالى بحلول عام ٢٠٢٩ /٢٠٣٠، مع زيادة مساهمة القطاع الخاص إلى ٦٤٪ مقابل نحو ٥٩٪ حاليا (وهى فى ذاتها طفرة قد تكون مؤقتة). وإلى جانب ذلك، تقترح الخطة زيادات مليارية فى مخصصات الصحة (٢٥٪)، والتعليم قبل الجامعى (١١.٥٪)، والتعليم العالى (١١٪)، والتضامن الاجتماعى (٥٧٪)، فضلا عن قفزة استثنائية فى استثمارات الطاقة المتجددة تصل إلى ٢٦١٪. هذه الأرقام، وإن كانت تعكس طموحا توسعيا، إلا أنها تقوم على افتراضات ضمنية تحتاج إلى تدقيق عميق؛ أولها أن بيئة الأعمال قادرة على استيعاب هذا التحول دون تغييرات مؤسسية جذرية، وثانيها أن «فجوة الادخار المحلى» يمكن تعويضها دون ضغوط إضافية على السيولة أو إعادة توجيه الائتمان بشكل قد يحد من قدرة القطاع الخاص نفسه على التمويل.

وقبل الخوض فى الجدوى الاقتصادية لهذه الأرقام، تبرز مسألة معلوماتية كشفت عنها كواليس النقاشات البرلمانية الأخيرة؛ حيث منحت اللجنة الاقتصادية مهلة للحكومة لتقديم بيانات محدثة، لا سيما ما يتعلق بمؤشرات الفقر. وهذه المؤشرات تعتمد أساسا على نتائج مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك، الذى تأخر صدوره بشكل لافت، كما تأخر الإعلان عن أحدث نتائجه، لتصبح البيانات – حتى قبل نشرها – أقل أهمية نسبيا فى ظل تسارع الأحداث والتغيرات الاقتصادية محليا وعالميا، بما يفوق قدرتها على عكس الواقع الراهن بدقة. ولئن كنت من أوائل المطالبين بضرورة الإفصاح عن بيانات هذا المسح وإجراء جولة حديثة منه، فإن ما جرى تحت قبة البرلمان لم يكن مفاجئا، بل يعكس فجوة معلوماتية لا يمكن التغافل عنها. ذلك أن أى خطة متوسطة المدى تفترض وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة تُبنى عليها السياسات العامة، وغياب هذه القاعدة – أو تأخر استكمالها – يُضعف من قدرة الخطة على أن تكون وثيقة تنفيذية مكتملة، ويجعلها أقرب إلى تصور أولى لا يزال فى طور الاختمار. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع حول كيفية تحديد مخصصات الحماية الاجتماعية التى ارتفعت بنحو ٥٧٪ فى غياب خريطة دقيقة ومحدثة لخطوط الفقر الراهنة.

●●● 

فى السياق ذاته، يبرز التحدى التمويلى كعقبة مؤرّقة؛ فالاستثمار هو الوجه الآخر للادخار، وفى ظل معدلات ادخار قومى متواضعة، يطرح مستهدف الـ٢٠٪ سؤالا وجوديا: من أين ستموَّل تلك الاستثمارات؟ إن تهافت الحكومة المستمر على طرح أدوات الدين العام على البنوك لتمويل الفجوات التمويلية يضعها فى حالة “مزاحمة” دائمة للقطاع الخاص على مدخرات القطاع العائلى لدى الجهاز المصرفى، ناهيك عن كون تلك المدخرات غير كافية بالكامل لتمويل مستهدفات الاستثمار. فضلا عن هذا، فمن المؤكد أن تلك المزاحمة هى «ثقب أسود» يهدد بابتلاع مستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص؛ إذ كيف يمكن للشركات الخاصة أن تتوسع وتقود النمو، وهى تواجه تكلفة تمويل باهظة وسيولة موجهة بالأساس لتمويل أذون وسندات الخزانة الحكومية؟!

وبموازاة ذلك، لا يمكن قراءة مستهدفات الخطة المعلنة بمعزل عن مسار «التخارج من الأصول المملوكة للدولة»، الذى يُفترض أنه أحد الأعمدة الرئيسة للسردية الوطنية للتنمية الشاملة؛ إلا أن الملاحظ فى بيان الوزير أمام البرلمان هو استمرار الفجوة بين «النوايا الرقمية» والواقع المعيش. فرغم أن السردية تضع حوكمة الاستثمارات العامة كأولوية قصوى، إلا أن الخطاب التنفيذى عكس وتيرة تخارج لا تحقق الأثر الهيكلى المنشود؛ إذ يميل النمط الحالى إلى طرح حصص محدودة أو ترتيبات تشغيلية بدلا من نقل حقيقى للملكية والإدارة. هذا المسار المتردد يُبقى الدولة فى وضع «اللاعب والحكم»، وهو ما يتناقض جوهريا مع مستهدفات الخطة لتمكين القطاع الخاص، ويحد من قدرته على التوسع فى بيئة تنافسية متكافئة، كما يقلل من فرص جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة النوعية اللازمة لاستقرار سعر الصرف.

أما السردية الوطنية، فيبدو من واقع البيان الحكومى أنها تعرضت لنوع من «التهميش الضمنى»؛ حيث استعار الوزير أرقاما من السردية (مثل مستهدف الـ٢٠٪ استثمار والـ٦٤٪ مساهمة للقطاع الخاص)، لكنه أسقط تماما مرجعيتها الفكرية وفلسفتها الحاكمة. فبينما ركّز الخطاب على عرض مستهدفات قطاعية فى الصحة والتعليم بأسلوب «المخصصات الموازنية» التقليدى، فإنه أغفل جوهر السردية المتعلق بإعادة تعريف دور الدولة وربط الإنفاق بـ«منهجية البرامج والأداء». إن تقديم السردية كأحد «مصادر التخطيط»، وليس كإطار حاكم وملزم، يفتح الباب لتعدد المرجعيات وتضارب الأولويات، وهو ما قد يُضعف من اتساق السياسات المالية والنقدية بدلا من تعزيز تناغمها لتحقيق المستهدفات التى عرضتها الحكومة أمام مجلس النواب.

وتتجلى إحدى الإشكاليات الأكثر تعقيدا فى العلاقة بين الاستثمار وسعر الصرف؛ فضعف تدفقات الاستثمار الأجنبى – المرتبط جزئيا ببطء التخارج وغموض البيئتين المؤسسية والتشريعية – يحد من وفرة العملة الصعبة، ما يزيد من حساسية سعر الصرف ويدفع نحو تدخلات قد تضر باستقرار الاقتصاد الكلى. وفى المقابل، فإن غياب المرونة الكاملة قد يثنى المستثمرين عن الدخول خشية صعوبة الخروج من السوق. هذه العلاقة الدائرية تعنى أن ملفى الاستثمار وسعر الصرف لا يمكن فصلهما، وأن أى تقدم فى أحدهما يظل مشروطا بجدية الحكومة فى تنفيذ إصلاحات هيكلية تتجاوز مجرد طرح الأرقام فى مجلس النواب.

●●● 

فى المحصلة، تكشف قراءة الخطة فى ضوء هذه العناصر عن ثلاث إشكاليات متزامنة: الأولى تتعلق بـ«فجوة البيانات» التى تعكسها الحاجة لاستكمال مؤشرات الفقر قبل إقرار الخطة نهائيا. والثانية ترتبط بـ«فخ التمويل» الناتج عن انخفاض الادخار المحلى ومزاحمة الدولة للقطاع الخاص واستمرار التشديد تحت ضغط الظرف الراهن. أما الثالثة فتتمثل فى وضع “السردية الوطنية” نفسها، التى تتأرجح بين كونها «بوصلة» يفترض أن تحكم عملية التخطيط، أو مجرد «مرجعية استرشادية» من بين عدة مرجعيات، وهو ما ينعكس على درجة الاتساق بين الأهداف والسياسات.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا: متى تُستكمل الخطة فى صورتها النهائية، وبأى درجة من الالتزام بإطار مؤسسى واضح؟ إن الإشكالية لم تعد فى صياغة النوايا الطموحة، بل فى القدرة على تحويل هذه الأهداف إلى سياسات مترابطة، مدعومة ببيانات دقيقة، ومرتكزة على إرادة حاسمة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق. دون ذلك، قد تظل الخطة تعبيرا عن «طموح مشروع»، لكنه يفتقر إلى «الهندسة المالية» والمعلوماتية اللازمة لتحقيق تحول حقيقى يلمسه المواطن ويضمن استدامة الاقتصاد القومى بعيدا عن أعباء الاستدانة المتزايدة. وإذ أثق فى قدرة وزير التخطيط على الاشتباك مع تلك التحديات، فإننى أتمنى أن يجد فى المجموعة الاقتصادية والإطار المؤسسى للدولة دعما جادا لأداء مهامه بأقل قدر من المقاومة الداخلية.

 

كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات