ما بالُ الأمم تتوهّم أن التقدّم التكنولوجى قادر دائمًا على إنقاذها من عواقب إسرافها؟ وما بالُ الإنسان يظن أن حدود الطبيعة قابلة للتفاوض كلما امتلك أدوات أكثر تطورًا للتعاطى معها؟ لقد رسّخت الثورة الصناعية، ثم الموجات التكنولوجية المتعاقبة على أثرها، قناعةً عالمية بأن الابتكار قادر على توسيع حدود الإنتاج إلى ما لا نهاية، وأن كل أزمة ندرة ليست سوى عقبة مؤقتة سرعان ما يتجاوزها العقل البشرى باكتشاف جديد أو مورد بديل. غير أن المشهد الراهن يبعث برسالة مختلفة تمامًا؛ فالعالم يواجه ضغوطًا متزايدة على موارده الطبيعية بفعل التزايد السكانى المستمر، وتضخم أنماط الاستهلاك، وتسابق الأفراد والدول والشركات على تكديس الثروات والموارد. وللمرة الأولى منذ زمن بعيد، تبدو التكنولوجيا فى دبر الأزمة لا بين يديها، بينما تتسع الفجوة بين شهية الإنسان النهم وقدرة الكوكب المحدودة على الإشباع، بما ينذر بانتقال الاقتصاد العالمى من عصر كانت المشكلة فيه هى تحفيز الطلب إلى عصر أصبحت فيه المشكلة الأساسية هى ندرة المعروض وحدود الطبيعة ذاتها.
• • •
لقد عاش العالم طوال القرنين الماضيين تحت وطأة ما يمكن وصفه بـ «أزمة نقص الطلب»؛ إذ كانت المعضلة الأساسية للاقتصاد الصناعى تكمن فى كيفية خلق أسواق استهلاكية أوسع لتصريف فائض الإنتاج المتزايد. ومن رحم هذه المعضلة ازدهرت النظريات الكينزية، وتوسعت أدوات الائتمان، وتعاظمت صناعات الإعلان والتسويق، بل إن كثيرًا من الحروب الاستعمارية ارتبطت تاريخيًا بالسعى الحثيث لفتح أسواق جديدة للسلع ورءوس الأموال. أما اليوم، فإن المشهد ينقلب بصورة شبه كاملة؛ إذ لم تعد المشكلة فى غياب المشترى، بل فى عجز المعروض ذاته وقصوره عن ملاحقة نهم بشرى متضخم تخطى كل الكوابح.
إن حالة الجشع الجمعى التى تحكم النظام الاقتصادى العالمى (أو بالأحرى طبقة رقيقة منه)، بالتوازى مع الزيادة السكانية المستمرة على هذا الكوكب المجهد، خلقت ضغطًا هائلًا غير مسبوق على مختلف الموارد الأساسية، من طاقة وغذاء ومياه وعناصر نادرة، وصولًا إلى الهواء النظيف والمساحات القابلة للحياة. وسرعان ما تحوّل هذا الضغط إلى خلل بنيوى عميق فى العلاقة بين الإنسان والبيئة؛ فالمفارقة تكمن فى أن كل موجة تكنولوجية جديدة، بدلًا من أن تخفف الضغط على الطبيعة، أصبحت تسهم فى التعجيل باستنزافها عبر توسيع نطاق الاستهلاك ورفع وتيرته.
ولعل المفارقة الكبرى أن التكنولوجيا نفسها، التى طالما قُدمت باعتبارها الترياق السحرى لكل أشكال الندرة، باتت أحد الأسباب الرئيسة لتعقيد الأزمة المعاصرة. فالتحول نحو الاقتصاد الرقمى، والطاقة النظيفة، والسيارات الكهربائية، يتطلب كميات هائلة من المعادن النادرة، ويستهلك طاقة ومياهًا لا تقل ندرة عن النفط والوقود الأحفورى المراد استبدالهما. كما أن ثورة الذكاء الاصطناعى ومراكز البيانات العملاقة أصبحت تلتهم من الكهرباء والمياه ما يجعلها جزءًا أصيلًا من معادلة الاستنزاف الراهنة، لا مجرد أداة تقنية للخلاص.
• • •
من هذا المنطلق، يمكننا فهم الطبيعة الهيكلية الجديدة للتضخم العالمى الذى يضرب أغلب الاقتصادات اليوم؛ فهو تضخم هيكلى مدفوع بصدمات العرض، وشح الخامات، وارتفاع تكاليف الإنتاج واللوجستيات. ولذلك يبدو هذا التضخم أكثر «لزوجة» وعنادًا أمام أدوات الكبح التقليدية؛ فحتى عندما يتراجع الطلب مؤقتًا تحت وطأة الركود، تظل الأسعار محلقة فى مستويات مرتفعة لأن جذور الأزمة كامنة فى ندرة الأصول والمدخلات الأساسية لا فى حركة الأسواق.
وفى مواجهة هذا التضخم المزمن، سارعت البنوك المركزية حول العالم إلى إشهار سلاحها المفضّل المتمثل فى رفع أسعار الفائدة وتشديد السياسات النقدية. غير أن هذا العلاج التقليدى يبدو فى كثير من الأحيان أقرب إلى محاولة إطفاء حريق زيت بالماء؛ إذ قد ينجح رفع الفائدة نسبيًا فى خنق الطلب الاستهلاكى، لكنه بالتأكيد لا يعالج أزمة نقص الإنتاج، بل على العكس، فالتشديد النقدى المفرط يفاقم الأزمة عبر رفع تكلفة التمويل على المنتجين، مما يؤدى إلى تراجع الاستثمار فى العرض، وبالتالى زيادة تكاليف الإنتاج وانتقالها تلقائيًا إلى الأسعار النهائية. وهكذا تدور البشرية فى حلقة مفرغة: شح فى الموارد يرفع تكاليف الإنتاج، والارتفاع يقود إلى تضخم فى الأسعار، فتدخل البنوك المركزية برفع الفائدة ليزيد من تكلفة التمويل، فترتفع التكاليف مجددًا وتعمق الأزمة.
ولعل المفارقة الأشد قسوة فى المشهد الراهن هى أن العالم، بينما يغرق فى محيط من الديون السيادية والخاصة غير المسبوقة، لا يزال عاجزًا عن انتشال مئات الملايين من البشر من قاع الفقر المدقع. وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن نحو نصف سكان الكوكب يعيشون على عوائد شحيحة بالكاد تسد رمق احتياجاتهم الأساسية، على الرغم من القفزات التقنية الهائلة التى أنجزها العقل البشرى.
وقد لخص الاقتصادى الفرنسى «توماس بيكيتى» هذه المعضلة الهيكلية حين أثبت أن معدل عائد رأس المال ينمو تاريخيًا بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد الحقيقى، مما يجعل الثروة تميل تلقائيًا إلى التركّز والانحصار فى أيدى أقلية ضئيلة، بينما تتآكل قدرة الأغلبية الساحقة على اللحاق بها. هذه الأطروحة أعادت إحياء السجال القديم حول العلاقة الجدلية بين التراكم والتوزيع، ليس بوصفها قضية أخلاقية أو إنسانية فحسب، بل باعتبارها صمام الأمان الوحيد للاستقرار الاقتصادى والسياسى العالمى.
• • •
إن العالم الذى استوطن لعقود طويلة واحة «اقتصاد الوفرة الصناعية» يبدو اليوم وكأنه يُدفع دفعًا نحو مضايق «اقتصاد الندرة البيئية»، حيث أصبحت الحدود الفيزيائية للموارد الطبيعية أكثر حسمًا وتأثيرًا من قدرة التكنولوجيا على المناورة. ومع اتساع رقعة الحرمان وتآكل الطبقات الوسطى التى تمثل عمود الاستقرار الفكرى والاجتماعى، لا تتوقف التداعيات عند المؤشرات المالية الرصينة؛ فالتاريخ يعلمنا أن الندرة حين تقترن بالشعور بالظلم وانعدام التوازن فى توزيع الأعباء، تتحول سريعًا إلى وقود سريع الاشتعال للاضطرابات العنيفة. ومن ثم، فإن العالم قد يكون على شفا موجات متصاعدة من الجريمة، والاضطرابات السياسية، والهجرات الجماعية العابرة للحدود، وربما الصراعات المسلحة؛ فالدول التى تعجز عن تأمين الغذاء والطاقة لمواطنيها تصبح هشة داخليًا، فى حين تميل القوى الكبرى فى لحظات الضيق الهيكلى إلى تصدير أزماتها عبر الحروب المباشرة أو بالوكالة لإعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة على منبع الموارد.
لقد نجحت الرأسمالية عبر تاريخها الطويل فى تكييف نفسها وتجاوز أزماتها بفضل مرونة الابتكار، والتوسع الجغرافى، وإعادة صياغة الأسواق، لكن الأزمة الحالية تبدو مغايرة فى جوهرها؛ لأنها تصطدم مباشرة بالحدود المادية الصلبة لكوكب الأرض، وتواجه فى الوقت ذاته حدود القدرة البشرية والاجتماعية على تحمل التفاوت الصارخ فى توزيع الثروات. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب شح الإمكانات، بل تسقط عندما تفقد إيمانها بالنظام العام، وحين يتملكها شعور جمعى بأن الآلة الاقتصادية لم تعد تمنح الأغلبية فرصة عادلة أو أفقًا ممكنًا للحياة الكريمة.
من هنا تكتسب قضية التوزيع المنضبط أهمية تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية التقليدية لتصبح مسألة تتصل باستقرار المجتمعات وقدرتها على البقاء. والمقصود بالتوزيع هنا ليس العودة إلى أوهام المساواة المطلقة أو الحسابات الجامدة التى بشّرت بها بعض الأيديولوجيات القديمة، وإنما البحث عن توازنات رشيدة تحول دون تركز الثروة والفرص والموارد فى أيدٍ قليلة على نحو يهدد تماسك المجتمع ذاته. فالتوزيع الرشيد لا يناقض الكفاءة الاقتصادية ولا يبدد حوافز الإنتاج والاستثمار كما يذهب بعض المتشددين فى الدفاع عن حرية السوق، بل يمثّل فى جوهره أحد الشروط الأساسية لاستدامة النمو وحماية المنظومة الاقتصادية من الاختلالات التى قد تنتهى إلى تقويضها من الداخل.
• • •
إن هذا العالم الذى يتركز فيه الاستهلاك الترفى والاحتكار المالى فى كفة، بينما تتسع فى كفته الأخرى دوائر العجز والفقر المائى والغذائى والطاقوى، إنما يمهد الأرض بنفسه لبيئة خصبة من الفوضى والحروب؛ فلم تعد الصراعات الحديثة منفصلة عن حركة رأس المال، بل غدت امتدادًا خشنًا له، يتجسد فى التناحر على مصادر الطاقة، ومعادن المستقبل، وممرات التجارة وسلاسل الإمداد الدولية. وفى نهاية المطاف، قد لا تكون البشرية قادرة على اقتلاع الطمع من الوجدان الإنسانى باعتباره جزءًا من غريزة البقاء، لكنها مطالبة بوضع كوابح وتشريعات تضبط جموحه قبل أن يتحول إلى أداة للانتحار الجماعى البطىء؛ فالحضارات لا تسقط لمجرد نفاذ خزائنها ومواردها، بل تسقط عندما تفقد القدرة على تدبير وتوزيع ما تبقى لديها بعقلانية، وحكمة، ورحمة.
كاتب ومحلل اقتصادى
الاقتباس:
إن هذا العالم الذى يتركز فيه الاستهلاك الترفى والاحتكار المالى فى كفة، بينما تتسع فى كفته الأخرى دوائر العجز والفقر المائى والغذائى والطاقوى، إنما يمهد الأرض بنفسه لبيئة خصبة من الفوضى والحروب؛ فلم تعد الصراعات الحديثة منفصلة عن حركة رأس المال، بل غدت امتدادًا خشنًا له.