وثيقة ملكية الدولة فى ميزان التحليل - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 22 يونيو 2026 7:57 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟


وثيقة ملكية الدولة فى ميزان التحليل

نشر فى : الإثنين 22 يونيو 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الإثنين 22 يونيو 2026 - 6:30 م

مرة أخرى تُدعى النخب الاقتصادية وقادة الرأى لمناقشة إصدار جديد من وثيقة سياسة ملكية الدولة، وكأن المشكلة كانت دائما فى الوثيقة لا فى التنفيذ. فبعد أقل من أربع سنوات على إطلاق النسخة الأولى، نجد أنفسنا أمام نسخة ثانية تحمل عناوين جديدة وشعارات أكثر طموحا، بينما لا يزال من الصعب الجزم بأن الإصدار الأول قد حقق أهدافه المعلنة، أو حتى أن تلك الأهداف كانت قابلة للقياس والتقييم بصورة شفافة.

 


بل إن بعض ما جرى تقديمه لاحقا باعتباره نجاحا للوثيقة لم يكن ضمن مستهدفاتها الأصلية من الأساس. فصفقة رأس الحكمة، على سبيل المثال، كانت تطورا استثنائيا فرضته ظروف اقتصادية ومالية وجيوسياسية خاصة، ولا أذكر أنها وردت ضمن قائمة الأصول أو القطاعات المستهدفة بالتخارج عند إطلاق الوثيقة الأولى. ومع ذلك أُدرجت لاحقا ضمن حصيلة نجاحات السياسة، وكأن تحقيق الهدف جاء أولا، ثم جرى تعديل المستهدفات بعد ذلك لتتوافق معه!
وليست هذه هى المرة الأولى التى تلجأ فيها الحكومة إلى إعادة تعريف المستهدفات أو إعادة تصنيف النتائج. فقد شهدنا من قبل الجدل الذى صاحب الإنفاق الدستورى على التعليم والصحة عندما ضاق الحيز المالى عن الوفاء بالنسب المقررة، فجرى احتساب أجزاء من خدمة الدين المرتبطة بهذين القطاعين ضمن الإنفاق عليهما، بما سمح بتحسين الصورة المحاسبية دون معالجة جوهر المشكلة. وبصرف النظر عن موقفى المتحفظ، من الأصل، على دسترة نسب محددة للإنفاق العام، فإن إعادة تعريف المؤشرات أو التحايل على القياس لا يصنعان تنمية، ولا يعوضان غياب الإصلاح الحقيقى.
ومن ثمّ، فإن السؤال الذى ينبغى أن يسبق الاحتفاء بالإصدار الثانى ليس: ما الذى تعدنا به الوثيقة الجديدة؟ بل: لماذا لم تحقق الوثيقة السابقة ما وعدت به؟ وما الفجوات التى حالت دون التنفيذ؟ وكيف يمكن الاطمئنان إلى أن النسخة الجديدة لن تلقى المصير نفسه بعد سنوات قليلة، لنجد أنفسنا أمام إصدار ثالث يحمل عنوانا أكثر بريقا، بينما تظل الأسئلة الأساسية بلا إجابة؟
• • •
فى تقديرى، لا تكمن المشكلة الرئيسة فى الإصدار الثانى من وثيقة سياسة ملكية الدولة فيما يتضمنه من أهداف أو مبادئ عامة؛ فمعظم هذه الأهداف كانت حاضرة بدرجات متفاوتة فى الإصدار الأول، بل إن بعضها ورد فى وثائق وبرامج حكومية سبقت الوثيقة ذاتها. إن الإشكالية الأعمق تتمثل فى استمرار الحكومة فى إصدار نسخ متتابعة من سياسة ملكية الدولة دون أن تسبقها مراجعة موضوعية معلنة للفجوات التى حالت دون تنفيذ النسخة السابقة، أو تقييم دقيق لمدى تحقق المستهدفات التى أعلنتها الدولة منذ إصدار الوثيقة الأولى فى عام 2022. فالوثيقة الجديدة تقدم نفسها باعتبارها مرحلة ثانية من «تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر»، لكنها لا تقدم للقارئ إجابة واضحة عن سؤال جوهرى: لماذا احتجنا إلى إصدار ثانٍ قبل أن تكتمل نتائج الإصدار الأول؟
وتكشف قراءة متأنية للوثيقة أن الحكومة انتقلت من الحديث عن «تحديد دور الدولة» إلى الحديث عن «إدارة دور الدولة»، وهو تحول لغوى له دلالة مهمة. ففى حين كانت الوثيقة الأولى تركز على تقليص التواجد الحكومى فى عدد من الأنشطة الاقتصادية وإفساح المجال للقطاع الخاص، فإن الإصدار الثانى يتجه نحو بناء إطار مؤسسى أكثر مركزية لإدارة الملكية العامة، من خلال القانون رقم 170 لسنة 2025 وإنشاء وحدة الشركات المملوكة للدولة التابعة لرئاسة مجلس الوزراء. وتقدم الوثيقة هذا التطور باعتباره نقلة نوعية فى الحوكمة وإدارة الأصول، إلا أن القراءة النقدية تثير تساؤلا مشروعا حول ما إذا كان الاقتصاد المصرى فى حاجة إلى مزيد من المركزية أم إلى مزيد من اللامركزية والشفافية والمساءلة. فالوثيقة تمنح الوحدة الجديدة سلطات واسعة فى تحديد توقيتات التخارج وآلياته، والشركات المستهدفة به، ونقل الأصول إلى صندوق مصر السيادى، ومتابعة التنفيذ، واقتراح التعديلات التشريعية اللازمة، وهو ما يجعلها أقرب إلى «مركز قيادة» لإدارة النشاط الاقتصادى الحكومى منه إلى جهاز تنسيقى محدود الاختصاص، أو هى كما أطلقت عليها من قبل: «وزارة قطاع أعمال بشرطة».
• • •
اللافت أن الوثيقة تعترف ضمنيا بوجود مشكلات تنفيذية فى المرحلة الأولى، إذ تشير إلى تفاوت معدلات التنفيذ بين الجهات المختلفة، والحاجة إلى تحسين التنسيق المؤسسى، وتسريع التخارج، ورفع جاهزية الأصول. غير أن هذه الإشارات جاءت فى إطار عرض الدروس المستفادة، دون تقديم تقييم رقمى أو نوعى للفجوات الحقيقية التى واجهت التنفيذ. فلا نعرف مثلا عدد الشركات التى كان من المستهدف التخارج منها ولم يتم التخارج منها، ولا أسباب التأخير، ولا أثر ذلك على الاستثمارات الخاصة أو على كفاءة تخصيص الموارد. ومن ثم فإن القارئ يجد نفسه أمام وثيقة جديدة تعلن أهدافا جديدة، بينما لا تزال نتائج المرحلة السابقة غير مكتملة أو غير قابلة للتقييم المستقل.
ومن أبرز أوجه القصور فى الإصدار الثانى استمرار الخلط بين هدفين مختلفين: تعظيم كفاءة الاقتصاد من ناحية، وتعزيز الاستدامة المالية للموازنة العامة من ناحية أخرى. فالوثيقة تربط بشكل مباشر بين حصيلة التخارج من الأصول وبين دعم المالية العامة وخفض الدين العام وتمويل الاستثمارات ذات الأولوية. وقد يكون هذا الربط مفهوما فى ظل الضغوط المالية الراهنة، لكنه يثير المخاوف من أن يتحول برنامج الطروحات إلى أداة لتوفير السيولة قصيرة الأجل أكثر منه أداة لإعادة هيكلة الاقتصاد ورفع كفاءته. فالأصل فى سياسة الملكية أن تكون مدفوعة بمنطق الكفاءة الاقتصادية وتخصيص الموارد، لا بمنطق الحاجة إلى موارد مالية عاجلة لسد فجوات الموازنة أو خدمة الدين.
كما أن الوثيقة تتبنى بوضوح فلسفة إدارة الأصول بمنطق المحفظة الاستثمارية، حيث تتكرر مفاهيم العائد والمخاطر والقيمة السوقية وتعظيم الإيرادات، وهى مفاهيم مهمة بلا شك، لكنها لا تكفى وحدها لتقييم أداء الأصول العامة. فهناك أصول ومؤسسات تلعب أدوارا تنموية أو اجتماعية أو استراتيجية لا يمكن قياس نجاحها فقط بمؤشرات الربحية والعائد على الأصول. ولذلك كان من المنتظر أن تتضمن الوثيقة إطارا أكثر توازنا يوضح كيفية الموازنة بين الكفاءة الاقتصادية والاعتبارات التنموية والاجتماعية، بدلا من التركيز شبه الحصرى على المؤشرات المالية.
• • •
أما فيما يتعلق بالحياد التنافسى، وهو أحد أكثر المفاهيم تكرارا فى الوثيقة، فإن الفجوة بين النص والتطبيق لا تزال قائمة. صحيح أن الحكومة تشير إلى قانون إلغاء الإعفاءات الضريبية والرسوم الممنوحة لبعض الجهات الاقتصادية، وإلى دور جهاز حماية المنافسة فى تعزيز تكافؤ الفرص، لكن الحياد التنافسى (المقيد فى القانون باستثناءات يمنحها رئيس الوزراء) لا يتحقق فقط بإلغاء إعفاء ضريبى أو تعديل تشريعى. فهناك مزايا أخرى أكثر تأثيرا ترتبط بسهولة الحصول على الأراضى، وإجراءات التراخيص، والوصول إلى التمويل، والضمانات السيادية، وأولويات التعاقد مع الجهات الحكومية. والوثيقة لا تقدم مؤشرات واضحة لقياس مدى التقدم فى إزالة هذه الامتيازات أو جدولا زمنيا لمعالجة ما تبقى منها، وهو ما يحد من قدرتها على إقناع المستثمرين بأن قواعد اللعبة الاقتصادية أصبحت متكافئة بالفعل.
وتبرز فجوة أخرى تتعلق بطبيعة القطاعات المستهدفة بالطروحات. فالوثيقة تتحدث عن المطارات والبنوك والاتصالات والسياحة والبتروكيماويات والكهرباء والتعدين وغيرها من القطاعات الحيوية، لكنها لا توضح، على نحو كافٍ، المعايير التى ستحدد حجم التخارج أو نسبة الاحتفاظ أو حدود السيطرة الحكومية فى كل قطاع. كما أنها تمنح مساحة واسعة للتقييم اللاحق والقرارات الإدارية التى ستتخذها الوحدة المركزية وصندوق مصر السيادى، بما يجعل جزءا كبيرا من السياسة الفعلية مؤجلا إلى قرارات تنفيذية مستقبلية، ويجعل الإصدار الأول أفضل كثيرا من كل ما تلاه من تعديلات ونسخ وإصدارات.
ومن المفارقات أن الوثيقة تؤكد أن الدولة ستصبح «مالكا استراتيجيا نشطا» فى بعض القطاعات، وفى الوقت نفسه تؤكد أنها ستتراجع عن ممارسة النشاط الاقتصادى المباشر كلما توافرت كفاءة القطاع الخاص. وبين هذين الهدفين تظل الحدود غير واضحة بصورة كافية. فالسؤال الذى لم تجب عنه الوثيقة بوضوح هو: متى تعتبر الدولة أن القطاع الخاص أصبح قادرا على إدارة نشاط ما بكفاءة؟ وما المؤشرات التى تدفعها إلى التخارج الكامل أو الجزئى؟ وكيف يمكن للمستثمر أن يطمئن إلى أن الدولة لن تعود مستقبلا إلى النشاط الذى قررت التخارج منه إذا تغيرت الظروف؟
فى النهاية، يبدو الإصدار الثانى من سياسة ملكية الدولة أقرب إلى محاولة لتقنين وإعادة تنظيم التواجد الاقتصادى للدولة منه إلى وثيقة حاسمة لإعادة تعريف هذا التواجد. فالوثيقة أكثر نضجا من الناحية المؤسسية، وأكثر تفصيلا من الناحية الإجرائية، لكنها لا تزال تعانى من فجوة جوهرية بين الطموح المعلن والواقع التنفيذى.

 


كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات