تأملات اليوم التالى - صلاح ابو الفضل - بوابة الشروق
الإثنين 22 يونيو 2026 7:59 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

تأملات اليوم التالى

نشر فى : الإثنين 22 يونيو 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الإثنين 22 يونيو 2026 - 6:30 م

والرأسمالى كان ينطوى على عوامل فشله؛ غياب النزعة الفردية فى النظام الشمولى وطغيانها فى النظام الرأسمالى. قبل ذلك بعامين، كان بول كينيدى قد نشر كتابه الشهير عن صعود وهبوط القوى العظمى، والذى حذر فيه من أن تجاوز الإنفاق على التسليح لمتطلبات التقدم يؤدى إلى سقوط هذه القوى. وقتها سرت موجات من الخوف فى أمريكا من المصير نفسه كما حذر كينيدى، لكن خمر الانتصار على الاتحاد السوفيتى دارت برءوس قادة المجمع الصناعى والساسة الأمريكيين، فتناسوا المخاوف، وانطلقت أمريكا فى حمى التسليح والهيمنة على العالم، وبشّر فوكوياما بنهاية التاريخ بتربع أمريكا على قمته دون منازع، واستمر مسلسل التدمير واغتيال الأمم والشعوب. وقبل ما يقرب من عشرين عامًا من رحيله، تنبأ الراحل محمد حسنين هيكل فى مقال بـ«وجهات نظر» بأن أمريكا ستلجأ إلى حروب دامية فى جميع أنحاء العالم لتستمر فى الاحتفاظ بسيطرتها.

 


ولكن بعد خمسة وثلاثين عامًا من سقوط الاتحاد السوفيتى، بدأت تلوح الآن تباشير السقوط التالى للقوة الأعظم، فجّرتها المقاومة الفلسطينية من ركن غزة المحاصر فى 7 أكتوبر سنة 2023 بضربة مفاجئة لإسرائيل، رأس حربة الإمبريالية العالمية، وبدأ مشهد جنونى لغضب صهيونى عارم سعى لإبادة أهل غزة وطرد كل الفلسطينيين من أرضهم وإقامة إسرائيل الكبرى. ومع المقاومة الباسلة للشعب الأعزل، تبدى فشل المغامرة، وتراجع نتنياهو عن توجيه ضربة لمصر لتهجيرهم، فسعى لتغطية فشله بابتزاز ترامب لضرب وتدمير إيران، مستغلًا فضائحه مع إبستين وأموال المتبرعين الصهاينة لحملته الانتخابية، تمهيدًا لبسط السيطرة على كل الأرض العربية من الفرات إلى النيل مرورًا بالشام وشمال الجزيرة العربية. وهكذا انجرت أمريكا إلى مصيدة السقوط المدوى بحرب ثالثة فى نفس الركن من الشرق الأوسط، ارتكزت سابقتها على أكذوبة أسلحة الدمار الشامل فى العراق وانتهت بفشل ذريع. لكن مستنقع السقوط الأمريكى فضح تغلغل اللوبى الصهيونى فى كل مفاصل الدولة العظمى وشريكتها بريطانيا. وبدأت أصوات الغضب والاحتجاج تتصاعد فى أمريكا: من يقود من؟ وما مصلحة أمريكا فى حرب تنقذ فيها مجرم حرب يريد الهرب من اتهامات الفساد، ويسعى لقيام إسرائيل العظمى على أشلاء الدول العربية، حتى لو خسرت أمريكا موقعها فى سيادة العالم؟
• • •
لكن السهم نفذ، كانت فارس المسلمة قد استعدت على مدى سبعة وأربعين عامًا لمواجهة حتمية منذ نادى مرشدها الخمينى بأن أمريكا هى الشيطان الأعظم. ودارت واحدة من أعجب المعارك فى التاريخ، تجهزت إيران لها بشبكة تحالفات استراتيجية محكمة، نسجتها بصبر وحنكة وفهم عميق لصراعات القوى العالمية، اعتمدت فيها على اللحظة التاريخية المواتية، ووظفت فيها أحدث مكتشفات التكنولوجيا السيبرانية الحديثة مع وسائل الحرب اللامتوازية. استخدمت فيها الدرونات الرخيصة لبلبلة صواريخ الإسقاط المرتفعة الثمن، وشلت الإدارة الأمريكية وأفرغت قوتها الهائلة من القدرة على حسم المعركة، ثم أكملت الخناق على المعتدى والعالم بحصار اقتصادى دفع دول العالم للضغط عليها لإيقاف المهزلة. ولا يزال النزال مستمرًا، ينتظر كل طرف أن يستسلم غريمه، لكن كل التحليلات تشير إلى عقم الموقف الأمريكى الموزع بين خضوع مخزٍ للسيطرة الصهيونية الساعية إلى تفجير المنطقة وقلب هزيمتها بالوثوب على باقى الأرض العربية، وبين صراع محدق مع القوة الصينية المستشرية وحرب أوكرانية فاشلة، حتى إن ترامب بدأ يبحث عن انتصار آخر فى بلد صغير مثل كوبا يكرر انتصاره التافه على رئيس فنزويلا.
لن يخرج العالم من هذه المعمعة كما دخلها، ولا شك أن كل القوى المختلفة تفكر فيما ستستقر عليه الأمور، لكن المؤكد أن عصر القوة الأعظم ينتهى، وأن عصرًا آخر متعدد القوى يتشكل، ستدور صراعاته فى مجالات التصنيع والتجارة وليس الحروب والإرهاب، وتستعد الصين لأخذ موقع القيادة فيه. يترسخ مبدئيًا تقارب روسى صينى لا يدرى أحد إلى متى سيستمر قبل أن تظهر فيه حدود المصالح المتعارضة، ولا يدرى أحد بعد كيف ستتمكن أوروبا من إعادة تموضعها فى الخريطة الجديدة، وهل ستستمر فى الاتكال على أمريكا التى بدأت التخلى عنها، أم ستسقط دولها فى جولة جديدة من صراعاتها الداخلية خارج مظلة الناتو؟ وكيف ستلعب بريطانيا لعبتها الشهيرة «فرق تسد» وضد من؟
• • •
لكن فى شرقنا العربى، الذى أنهكته الصراعات البينية والتدخلات الخارجية لقرن من الزمان، تبزغ ضرورة وجود حتمية لتلاقى مصالح غير مسبوق بين كل دول المنطقة، فرضته الهجمة الصهيونية المجنونة وانكشاف زيف الحماية الأمريكية الآفلة. وتأكد فى هذه الملحمة، كما قيل عن وكيلها الراحل كيسنجر، إصرار إسرائيل على أن بقاءها مرهون بتفوقها العسكرى التام على كل من حولها. وقد برهنت الأعوام الثلاثة المنقضية على أنه لا وجود لفكرة التعايش السلمى فى العقلية الإسرائيلية. والخطر الذى تجسد فى تدمير غزة وتكرار المحاولة مع إيران بدعم أمريكا وتجاهلها حماية المنطقة أصبح دليلًا للجميع على الحاجة إلى موقف مستقبلى موحد. وتزداد هذه الحاجة مع الصعود المنطقى غير المنكر لقوتين كبيرتين: إيران التى صهرتها الحرب وستثبت بنصرها أحقيتها فى دور محورى على طرف آسيا المطل على العالم، وتركيا الرابضة على المفصل التاريخى بين الشرق والغرب، والتى تبين لها بعد محاولات عديدة أن أوروبا لا تريدها، فراحت تلتفت إلى الشرق من جديد.
بعد أن يستقر الرماد، سوف نجد أنفسنا فى اليوم التالى فى مواجهة بقايا المشروع الصهيونى المنهزم والرافض لتقبل هزيمته، معتمدًا على ترسانة نووية ونزعات تفوق عرقى مجنون، ووهم تقليدى بدونية العرب وضعفهم. ويتوقع محللون غربيون أن الدور سيكون على مصر أو تركيا، إذ ليس واردًا حتى الآن نهاية الكيان الصهيونى ودولته، فهذا أمر مرهون بالتداعيات الداخلية داخل المجتمع الإسرائيلى الذى سيتجرع نتائج الهزيمة على عدة جبهات أمام غزة ولبنان وإيران. لكن المؤكد أن كثيرًا من الإسرائيليين قد غادروا إلى قبرص وبعض دول أوروبا، وهم يسعون الآن لشراء جزيرة فى ألبانيا بمساعدة المقاول كوشنر وزوجته. وربما لن يتركوا فى فلسطين إلا عتاة المجرمين من المستوطنين المصرّين على الحرب والقتل والتدمير. ولا يلوح بعد أن التحالف الأمريكى البريطانى سيتخلى عن إسرائيل رغم تصاعد أصوات التحذير فى أمريكا من خطر الصهيونية على بنية المجتمع بعد انفضاح منظومة إبستين للابتزاز والسيطرة، والتى طالت كل مناحى المال والحكم فى الدولة العظمى، وفضحت خضوعها الكامل للكيان الصهيونى. ولذلك، فإلى أن يسير المشروع الصهيونى إلى نهايته المحتومة، فليس أمامنا جميعًا كعرب وفرس وأتراك إلا أن تلتقى مصالحنا المشتركة عند هذا المفصل التاريخى بالإصرار على تحجيم هذا الكيان العنصرى بنزع سلاحه النووى وإقامة دولة فلسطينية حقيقية تكون المعادل الفعلى للدولة اليهودية، تمنع تمددها وتثبت حدودها فيما قبل 1967. أمريكا ستخرج من المعركة أضعف كثيرًا مما كانت عليه حين بدأت الحرب، والتقارب بين الأطراف الثلاثة كفيل بفرض حل نهائى للصراع مع السرطان الصهيونى الذى تنتظره نهاية حتمية نتيجة ما سببه من تسريع وتيرة السقوط فيها.

 


طبيب نفسى مقيم فى المملكة المتحدة

صلاح ابو الفضل طبيب نفسى مقيم فى المملكة المتحدة
التعليقات