يستعصى على أى مفاوض إدراك غاياته من العملية التفاوضية، ما لم يتحصن بمتطلبات أساسية، لعل أبرزها: بلورة استراتيجية تفاوضية محكمة ومتماسكة، تشكل بدورها مرجعية ملزمة وخارطة طريق هادية لسلوكه التفاوضى، وخطة شاملة وموجهة صوب الوجهة التى تحقق مصالحه وتبلغه أهدافه المحددة سلفًا. كما تتضمن تحديد الأساليب والتكتيكات والسياسات التفاوضية الكفيلة بالتعامل مع الطرف الآخر، مع مراعاة العامل الزمنى فى ضوء التحديات الماثلة والإمكانات المتاحة.
تحت عنوان: «قوة التفاوض: مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية»، صدرت عام 2023 الطبعة الأولى من كتاب عباس عراقجى، أستاذ العلوم السياسية، ووزير خارجية إيران الحالى، وصاحب الخبرة العميقة فى المفاوضات النووية، سواء تلك التى دارت خلال الفترة من 2013 إلى 2015 وتمخضت عن الاتفاق النووى مع مجموعة «5+1» عام 2015، أو تلك التى تدور رحاها حاليًا بين طهران وواشنطن منذ يونيو من عام 2025. ومن خلال مقدمة بالغة الأهمية، يتجلى إسهام الدبلوماسى الفذ، وشريكه فى المفاوضات الماراثونية، وزير الخارجية الإيرانى الأسبق محمد جواد ظريف. ومن خلال مؤلفهما، سبر الدبلوماسيان المخضرمان أغوار الاستراتيجية التفاوضية التى تتبناها الجمهورية الإسلامية فى مفاوضاتها النووية.
يُعتبر الكتاب ثمرة تزاوج متناسب بين الرؤية الأكاديمية والخبرة العملية لمؤلفه؛ إذ يقدم قراءة موسعة لفن التفاوض كما يُمارَس فى ميادينه الواقعية. كما يعكس تناغمًا لافتًا بين التجربة الدبلوماسية الشخصية الثرية للمؤلف والرؤية الاستراتيجية الإيرانية التى تجسدها المفاوضات، حيث يُقدَّم التفاوض بوصفه أداة ناجزة لاستنهاض القوة الوطنية، لا مجرد وسيلة لتسوية النزاعات فحسب. لذا يلفت الانتباه إلى أن المفاوض الناجح هو ذلك الذى يُتقن فن استثمار ركائز القوة، بنوعيها الصلبة والناعمة، وبشقيها الظاهر والباطن. وفى تفسيره لتعبير «قوة التفاوض»، يشدد عراقجى على أن التفاوض ليس مجرد عملية تقنية لإدارة الخلافات بقدر ما هو ممارسة سيادية تعكس القوة الوطنية وتترجم مكانة الدولة وفاعليتها على الساحة الدولية، ما يجعله «فنًا استراتيجيًا يتطلب ذكاءً ثقافيًا، وصبرًا استنزافيًا، وقدرة على تحويل عناصر القوة إلى خطاب تفاوضى يحافظ على الكرامة والاستقلال». وفى هذا السياق، يؤكد عراقجى على ثلاثة معطيات محورية: أن التفاوض يعتمد على عناصر القوة الوطنية، وأن المفاوض يحتاج إلى مهارات شخصية وقدرات متنوعة، وأن التفاوض والدبلوماسية قد يصبحان مصدرًا لتوليد قوة الدولة. كما يرى أن التفاوض لا يعد خيارًا ظرفيًا، بل يشكل ضرورة حضارية ودبلوماسية لصناعة السلام والدفاع عن السيادة والعدالة.
يستهل عراقجى فصول مؤلفه بالتركيز على مفهوم التفاوض بوصفه عملية عقلانية لإدارة الأزمات وتحقيق المكاسب الوطنية، لافتًا إلى أن القناعة بضرورته وجدواه تتأتى من المقارنة المنصفة بين أعبائه وكلفة الإعراض عنه، حيث تدفع مخرجات تلك المقارنة نحو تحفيز الأطراف المتفاوضة على إبداء المرونة الكفيلة بإنجاح العملية التفاوضية. وفى الفصل الثالث، يذهب عراقجى إلى أن الدبلوماسية وحدها لا تكفى لبلوغ الغايات الاستراتيجية، كونها تحتاج إلى ركيزة إضافية تدعمها، وهى القوة الوطنية التى تتمثل فى تجليات أربعة: الصلبة، والناعمة، والمعنوية، والذكية. ومن خلال التوظيف الحصيف لتلك المعطيات كافة، يتسنى للدولة تحويلها إلى مكاسب استراتيجية تفاوضية، مثلما فعلت إيران فى مفاوضاتها النووية مع السداسية الدولية، والتى أسفرت عن التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015. وفى الفصل الرابع، يستعرض مراحل العملية التفاوضية، ويجزم بأن نجاحها يبدأ من وضوح الاستراتيجية، وتماسك الجبهة الداخلية، وتفعيل مهارات التواصل الدبلوماسى، وضبط التوقعات، وتقدير اللحظة المناسبة للضغط أو التنازل، مع أهمية إعداد سردية دعائية داعمة. وفى الفصل الخامس، يتناول شخصية المفاوض، مؤكدًا أن الدبلوماسى الناجح يجب أن يتمتع بالذكاء والمعرفة والانضباط النفسى، إلى جانب القدرة على الإقناع والجاهزية لإنهاء العملية التفاوضية بنجاح وبالأسلوب الفعال وفى الوقت المناسب، إذ يرى أن التفاوض فى نهاية المطاف انعكاس لمكانة الدولة وقدراتها ومهارات ممثليها.
يخصص عراقجى الفصل السادس والأخير من سفره المهم للاستفاضة فى استعراض الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية المعروفة باسم «استراتيجية البازار» أو أسلوب «تاجر السجاد». ويؤكد أن هذا النهج لا يعد مراوغة بقدر ما يشكل نمطًا تفاوضيًا مدروسًا يرتكز على عدد من المبادئ والآليات، من أبرزها: الصمود الأسطورى، والصبر الاستراتيجى، والمثابرة، والمرونة، والتمسك بالثوابت ورفض التنازل عن المبادئ، والمساومة المتواصلة والدءوبة، والتكرار المستمر، والعناد الاستراتيجى، مع تنويع لغة الخطاب المستخدم والمنهج المتبع فى كل جولة تفاوضية حتى بلوغ النتائج المرجوة. وفى كلمة ألقاها بمعرض الكتاب بطهران فى مايو 2025، قال عراقجى إن «المساومة تكتيك تفاوضى شائع بين الإيرانيين»، وبحسبه يتقن الدبلوماسيون الإيرانيون لعبة المفاوضات من أجل المفاوضات، بوصفها وسيلة لإرهاق الطرف الآخر عبر اتخاذها أداة لشراء الوقت وامتصاص الضغوط والحصول على المعلومات أو تأكيد المكانة والاعتبار الدولى. ففى مفاوضات عام 2015، كانت طهران تتحدث عن إنتاج وتطوير صواريخ باليستية بمديات أبعد، وعن خطط لبناء مفاعلات نووية جديدة، وهو ما يعتبره عراقجى تناغمًا مع الاستراتيجية التفاوضية؛ حيث يرفض المفاوض الإيرانى العرض الأول بقوة كى تتحسن شروط العرض التالى.
تولى الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية أهمية قصوى لدور الوسطاء فى المفاوضات. فتاريخيًا، كان للوسطاء أو «السماسرة» دور حيوى فى السوق الإيرانية التقليدية، حيث تولوا مهمة جس النبض ونقل الرسائل بين البائع والمشترى، بما يساعد فى تحديد اللحظة المناسبة لإبرام الصفقات. ولا يزال هذا الدور قائمًا فى المفاوضات الحديثة من خلال وساطة باكستان وأطراف إقليمية أخرى، وإن أضحى يتم بأساليب أكثر تنظيمًا وحداثة. فلا يزال الوسطاء يشكلون الأداة المثلى، وأحيانًا الوحيدة، لنقل الاقتراحات وتبادل وجهات النظر وتقديم التنازلات وإيصال الشكاوى دون توريط القنوات الرسمية. وفى كتابه، حاول عراقجى تفنيد الاتهامات التى تلاحق استراتيجية بلاده التفاوضية لجهة انتهاج سلوك مراوغ أو التفافى فى التفاوض، فيما يعتبره البعض سمة متجذرة فى الثقافة السياسية الإيرانية. حيث يؤكد أن النهج الإيرانى فى المفاوضات لا يستند إلى التهرب أو الخداع، بل إلى التعامل مع التفاوض باعتباره أداة لتحقيق الأهداف لا وسيلة للمناورة العابرة. لكنه يعترف بأن الدواعى المصلحية أحيانًا ما تستوجب المماطلة أو تأجيل تنفيذ بعض الوعود أو الالتزامات، خاصة فى ظل ظروف تفاوضية معقدة، بيد أنه ينصح بعدم الإفراط فى اعتماد هذا النهج مخافة النيل من صدقية المفاوض الإيرانى أو استجلاب أضرار يصعب معالجتها.
يعتقد عراقجى أن تجربة مفاوضات فيينا النووية لعام 2015 وما واكبها من جدل حامى الوطيس بشأن صياغة قرار مجلس الأمن الدولى رقم 2231 قد جسدت التطبيق الناجع لـ«استراتيجية البازار» أو «تاجر السجاد». فعلى مدى عامين كاملين من المفاوضات الماراثونية الشاقة بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية بالمجلس، إضافة إلى ألمانيا، اعتصم المفاوض الإيرانى بالصبر والصمود والتمسك بالثوابت حتى نال مراده.
أما اليوم، فيمكن الادعاء بأن استراتيجية إيران التفاوضية قد آتت أكلها مجددًا، ولو على نحو مرحلى. فخلال المفاوضات الحالية مع الأمريكيين، أظهر النظام الإيرانى تماسكًا مبهرًا حينما سارع إلى ملء الفراغ القيادى الناجم عن استهداف قيادات الصف الأول. كما لم يتوان فى ترسيخ قدرة الردع غير المتماثلة عبر الرد على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية بتوجيه ضربات صاروخية ضد العمق الإسرائيلى ومهاجمة الأصول العسكرية الأمريكية فى المنطقة. وقد جسّد هذا النهج ما أورده عراقجى فى كتابه من أن «المقاومة القصوى هى الرد الطبيعى على الضغط الأقصى»، ليكون واضحًا للجميع أن الإيرانى حين يُهاجم يحوّل الصراع إلى معركة شاملة يكون فيها الجميع خاسرين. ومن خلال استخدام ورقة مضيق هرمز الجيوسياسية، نجح المفاوض الإيرانى فى إجبار الأمريكيين على تجزئة مستهدفات العملية التفاوضية إلى مرحلتين: تنحصر الأولى فى فتح المضيق مقابل وقف الحرب على مختلف الجبهات، لا سيما لبنان، بما يربك التحالف الأمريكى ــ الإسرائيلى، بينما تتناول الثانية القضايا الخلافية المركزية كالبرنامج النووى، ولكن فى مدى زمنى يبدأ من ستين يومًا ويحتمل التمديد إلى أجل غير مسمى.