منذ عقود، وما زال الجدل حول مستقبل شركات الدولة فى مصر يدور فى حلقة مفرغة بين خطابين متناقضين ظاهريًا ومتطابقين عمليًا؛ خطاب يرفع راية «الحفاظ على الأصول العامة»، وخطاب يلوّح بضرورة «تعظيم العائد من تلك الأصول»، بينما ظلت المشكلة الحقيقية غائبة عن النقاش: من يدير هذه الأصول؟ وبأى فلسفة؟ وهل الدولة مالك أم مشغّل أم منظّم للسوق أم كل ذلك معًا؟
ولعل هذا ما يجعلنى غير مستريح لتصريحات «وحدة الشركات المملوكة للدولة» التى بدأت تستعيد ــ فى نبرة الخطاب ومنطقه ــ ملامح وزارة قطاع الأعمال العام الملغاة، وكأننا بصدد إعادة إنتاج الكيان نفسه بأدوات مختلفة ومسميات أحدث. فالحديث المتكرر عن أن الوحدة «لا تعمل على بيع الشركات بل على إعادة هيكلتها»، وأنها تستهدف «تعظيم العائد من الأصول»، أصبح لازمة محفوظة تفتقر ــ فى تقديرى ــ إلى المصداقية والخبرة والتخصص، ليس لأن إعادة الهيكلة أمر غير مطلوب، بل لأن من يتحدث عن الهيكلة يتحدث بعقلية المشغّل لا بعقلية مدير المحفظة الاستثمارية.
* • •
قد كنت ــ وربما أكون أول وآخر من نادى صراحة بإلغاء وزارة قطاع الأعمال العام ــ انطلاقًا من قناعة اقتصادية مؤداها أن الجمع بين الملكية والإدارة والتنظيم داخل كيان واحد يُنتج تشوهات هائلة فى الحوافز، ويجعل الدولة خصمًا وحكمًا فى آن واحد. وعندما استجابت الدولة لهذا الطرح فى التعديل الوزارى الأخير، تصورت أن الفلسفة الجديدة ستقوم على الفصل الجاد بين «ملكية محفظة الأصول» و«تشغيلها»، بحيث تتحول الدولة تدريجيًا إلى مالك محترف ومحايد للأصول، لا إلى مدير يومى لتفاصيل التشغيل والإنتاج والتسويق والتعيينات.
لكن البيان الصحفى الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء يوم 21 مايو الجارى، فى سياق استعراض تقرير للوحدة المشار إليها، رغم ما حمله من نقاط إيجابية مهمة، أعاد إلى ذهنى المخاوف ذاتها. فالبيان تحدث عن «إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية»، و«تعزيز الحوكمة»، و«تحديد الشركات ذات البعد القومى والاستراتيجى»، وهى كلها أمور مطلوبة ومنطقية. لكنه فى الوقت نفسه كشف عن اتساع الدور التنفيذى للوحدة بصورة تثير التساؤل؛ إذ لم يقتصر الأمر على إدارة الملكية أو وضع سياسات التخارج والاستثمار، وإنما امتد إلى عقد اجتماعات مع الشركات القابضة، وتقديم مقترحات لإعادة الهيكلة، وزيادة رءوس الأموال، وتحسين الكفاءة التشغيلية، ودراسة تأسيس شركات جديدة، بل وحتى اقتراح آليات لخفض الدين المحلى. وهنا تحديدًا مكمن القلق.
* • •
إن ما تملكه الدولة من شركات ليس «قطاعًا» بالمعنى الإدارى التقليدى، بل هو محفظة أصول وأسهم متنوعة تضم شركات تعمل فى قطاعات شديدة التباين: من الصناعات الثقيلة إلى الخدمات المالية، ومن النقل إلى الكيماويات، ومن السياحة إلى الطاقة. وهذه المحفظة لا يجوز أن تُدار بعقلية الوزارة، بل بعقلية مدير استثمار مؤسسى محترف، يحدد متى ولماذا وكيف تتخارج الدولة من أصل ما، ومتى ولماذا تحتفظ به، وما إذا كانت الأولوية للعائد المالى المباشر أم للعائد الاجتماعى أو التنموى أو الاستراتيجى.. (عجّل الله بفرج وثيقة سياسة ملكية الدولة!).
أما التشغيل وإعادة الهيكلة الفنية، فينبغى أن يُتركا لجهات متخصصة تمتلك الخبرة القطاعية الحقيقية، سواء كانت شركات إدارة محترفة، أو مجالس إدارات «مستقلة» و«مؤهلة» وغير خاضعة للمحسوبيات، أو وزارات فنية معنية بالنشاط ذاته، وهذه أيضًا عليها أن تستعين بالقطاع الخاص الأقدر والأجدر بالمسئولية مع توافر حوافز الربحية والمنافسة. فلا يعقل أن يصبح كيان مركزى واحد مسئولاً ــ عملياً ــ عن فهم وتشغيل وإعادة هيكلة شركات أسمنت وغزل وبترول وفنادق ونقل وخدمات مالية فى الوقت نفسه!
وهنا يختلط على كثيرين الجدل التقليدى بين أنصار الدولة وأنصار السوق، وكأن القضية مباراة صفرية بين الحكومة والقطاع الخاص، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالمشكلة ليست فى «وجود الدولة» أو «غيابها»، وإنما فى طبيعة الدولة نفسها، وطبيعة القطاع الخاص الذى نريد تمكينه. فالحكومات المنتخبة المسئولة، المعبرة عن نبض الشارع وطموحاته، يمكن ــ بل ينبغى ــ أن يُسمح لها بقدر من الحركة داخل السوق لمراعاة احتياجات الفقراء والمهمّشين، وتحسين بيئة النشاط الاقتصادى، وضبط الاختلالات الاجتماعية، دون إضرار بآليات السوق أو تشويه المنافسة. وفى المقابل، فإن القطاع الخاص المسئول الذى تفرزه بيئة تنافسية صحية، ولا يعمل ويُصعَّد فى مناخ فاسد مفسد، هو وحده المقصود الحقيقى بدعوات التمكين، لأنه القادر على تحقيق التنمية المستدامة وخلق القيمة المضافة وفرص العمل الحقيقية. أما حين تكون الحكومة بيروقراطية وغير خاضعة للمساءلة الجادة، أو حين يكون القطاع الخاص احتكارياً وريعيّاً ومتغذياً على الامتيازات والفساد، فلا فرق بين الفريقين، ولا نجاح لأى منهما.
وهذا بالضبط ما حاولت التجارب الدولية الناجحة تجاوزه. ففى سنغافورة مثلاً، تُدار الأصول الحكومية الكبرى عبر شركة Temasek Holdings بوصفها شركة استثمار سيادية مستقلة لا تتدخل فى التشغيل اليومى للشركات، وإنما تراقب الأداء وتعيد تخصيص رأس المال وفق اعتبارات العائد والمخاطر والأهداف الاستراتيجية. أما الإدارة التشغيلية فتُترك لفرق متخصصة ومجالس إدارات محترفة تعمل وفق قواعد السوق والمساءلة. وفى فرنسا، تقوم Agence des participations de l’État بدور ممثل الملكية لا بديل الإدارة التنفيذية. وحتى الصين، التى تحتفظ الدولة فيها بدور واسع فى الاقتصاد، اتجهت خلال العقود الأخيرة إلى الفصل النسبى بين دور الدولة كمالك ودورها كمشغّل، عبر تطوير هياكل الحوكمة وتوسيع استقلالية الإدارة التنفيذية للشركات.
* • •
أما فى مصر، فما زلنا نراوح بين نموذجين كلاهما غير مكتمل: لا نحن انسحبنا من التشغيل المباشر وتركنا الإدارة للمتخصصين، ولا نحن احتفظنا بدور الدولة التنموى بصورة واضحة وشفافة وقابلة للقياس. واللافت هو الحديث المتكرر عن «تعزيز مركزية إدارة ملكية الدولة»، وهى عبارة تبدو جذابة تنظيمياً، لكنها قد تحمل خطرًا حقيقيًا إذا تحولت إلى مركزية تشغيلية أو بيروقراطية جديدة. فنجاح إدارة الأصول العامة لا يتحقق بتجميع السلطات داخل كيان واحد، بل بتوزيع الأدوار بوضوح، وتقليل تضارب المصالح، وخلق آليات مساءلة مستقلة.
وإذا كانت الوحدة قد بدأت العمل على بناء قواعد البيانات وإطلاق منصة «رشيد» الرقمية وإعداد بعض أطر الحوكمة، فإن هذه الإجراءات ــ على أهميتها ــ لا ينبغى التعامل معها باعتبارها إنجازات استثنائية، لأنها تمثل فى الأصل متطلبات تأسيسية كان يفترض أن تسبق إنشاء الوحدة نفسها، وأن تتزامن منذ البداية مع صدور النسخة الأولى من وثيقة سياسة ملكية الدولة الحاكمة لتلك الأصول جميعًا. فإدارة أى محفظة أصول عامة لا يمكن أن تبدأ فى ظل غياب قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة وشاملة، أو دون تصور واضح لفلسفة الملكية وحدودها وأهدافها. وكذلك فإن تسريع برنامج القيد فى البورصة قد يساهم فى تعميق سوق المال وتحسين مستويات الإفصاح والشفافية، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الجوهرى: هل الدولة بصدد بناء «مالك محترف» للأصول، أم أننا أمام إعادة إنتاج «وزارة قطاع أعمال» جديدة أكثر مركزية واتساعًا؟
إن نقل بعض الشركات إلى صندوق مصر السيادى قد يكون خطوة منطقية ومهمة، لكن بشرط ألا يتحول الصندوق نفسه إلى جهاز تشغيل أو إدارة مباشرة. فالصناديق السيادية الناجحة لا تُقاس فقط بحجم الأصول التى تديرها، بل بقدرتها على الانضباط المؤسسى، واستقلال القرار الاستثمارى، وتحديد فلسفة واضحة للتخارج والاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص.
* • •
لقد علّمتنا التجارب الدولية أن نجاح الدولة فى إدارة أصولها لا يتحقق بتوسيع الجهاز الإدارى، بل بتقليص تضارب الأدوار وتعارض المصالح، وخلق مؤسسات مستقلة وقابلة للمحاسبة، ووضع مؤشرات أداء حقيقية لا تتعلق فقط بالأرباح المحاسبية، وإنما أيضًا بالأثر الاجتماعى والتنموى. فشركة نقل عام خاسرة ماليًا قد تكون رابحة اجتماعيًا إذا كانت تخفض تكلفة التنقل وتحسن الإنتاجية وتحد من الازدحام والتلوث، والعكس صحيح.
ولهذا قلت مرارًا إن تعظيم دور الدولة فى الأصول أهم من تعظيم عائدها المالى المجرد. فالدولة ليست صندوق استثمار خاصًا، لكنها أيضًا ليست جهاز تشغيل بطالة مقنّعًا. المطلوب هو التوازن الذكى بين الكفاءة الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية والاستراتيجية. أما ما دون ذلك، فنحن لا نفعل سوى استبدال كيان بكيان، وربما يكون المستبدَل أقل كفاءة من المستبدَل به، لأن المشكلة لم تكن يومًا فى الاسم أو الهيكل التنظيمى، بل فى الفلسفة التى تحكم إدارة المال العام ذاته. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن نتصور أن تغيير اللافتة يعنى تغيير العقلية.
كاتب ومحلل اقتصادى