لقطة إنسانية فى دقيقة واحدة مرت بى على «فيسبوك»، انغرست فى فكرى ليترك أثرًا داميًا وسؤالًا إجابته مفتوحة النهاية، لا أحد يمكنه التكهن بها.
اللقطة فى صيدلية، تمد يدها سيدة تبدو من الطبقة المتوسطة، متعبة الملامح، إلى الصيدلى بتذكرة دواء، فيردها بمجرد أن يلمح اسم الدواء: «ارجعى لطبيبك يا أمى ليكتب لك بديلًا مصريًا».
تبتلع السيدة مرارة الرد وتشكره وتغادر مهزومة، فيسأل شاب ينتظر دوره الصيدلى: «ما الأمر؟»، فيرد الصيدلى: «ده دواء جديد للكلى ثمنه غالٍ عليها». فيشترى الشاب ما يكفى لعلاج شهر، ويسارع خلف السيدة ليمنحها الدواء الذى عجزت عن شرائه، ويعدها بأنه سيوفره لها بانتظام.
بالطبع ستندى عيون كل من يرى تلك اللقطة بدموع التأثر: ربما فى البداية لإنسانية هذا الشاب، لكن ستبقى دموع أخرى متأثرة بما آل إليه حال عزيز قوم ذل، فوقف عاجزًا عن شراء دواء لمرض عضال.
هل الحل أن يتفانى دائمًا إنسان كريم ويشترى الدواء لغيره؟
السؤال بلا شك لا يحتاج إلى جهد لإجابته، هذا الكريم بلا شك يجب أن تحل الدولة محله. مشروع تأمين صحى شامل بلا شك هو الحل الإنسانى الكريم والمسئول، هو ما ننتظره جميعًا، وعلى الله القصد.
عدنا، إن شاء الله، نتحد قريبًا لتهدأ النفوس وتطمئن القلوب.
الواقع أن حديثى اليوم، القصد منه ليس التأمين الصحى الشامل، لكنها فكرة خطرت لى ربما من فيض ألم تلك اللقطة التى سجلها «فيسبوك».
يخطر ببال الإنسان العادى دائمًا أن الدواء المستورد أو غالى الثمن هو الأقدر على الشفاء بإذن الله، أما العالم بحقيقة الأمر فيعرف أن هناك معادلات أخرى للشفاء تتجاوز ثمن الدواء.
هناك دائمًا ما يُعرف بالدواء البديل، والذى عمومًا ما يكون مؤثرًا أيضًا بصورة أو بأخرى، إما يستعمل بمفرده أو قد يُضاف إليه دواء آخر يزيد من قدر مفعوله، أو ربما ببعض التغيرات فى نظام حياة الإنسان اليومى، والتى ينصح بها الطبيب المعالج أو من يمكنه المعاونة من مهن أخرى مشاركة للطبيب مثل إخصائى النفسية، أو العلاج الطبيعى، أو الطب الطبيعى، والنشاط والحركة.
أقرب الأمثلة التى يمكننى أن أضربها: علاج أحد الأمراض النادرة، ارتفاع ضغط الشريان الرئوى، حتى الآن ليس هناك أى دواء يمكنه علاج ارتفاع ضغط الشريان الرئوى غير معروف السبب. إنما هى مجموعة من الأدوية التى تحسن أحوال المريض بدرجات مختلفة.
منها ما يؤثر بسرعة فتتحسن وظائف الرئة ويبدو التنفس عملية أسهل، لكن ثمنه غالٍ إلى درجة قد يصعب حتى على الدولة احتواءه، فما بالك بالمريض رقيق الحال؟!
ومنها ما هو فى متناول اليد، ذلك الدواء يحسن أيضًا أحوال المريض ربما بصورة أبطأ، وقد ينتج عنه بعض المضاعفات، الأمر الذى يحتاج إلى متابعة طبية مستمرة ويقظة للتدخل فى أى وقت يجب التدخل فيه، فتظل والحمد لله أحوال المريض مستقرة، الأمر الذى يعد بالفعل نجاحًا للطبيب المعالج فى حماية مريضه، الذى تنحسر عنه الأعراض فيتقبل العلاج برضى.
هناك أيضًا الأدوية البديلة التى تحل تمامًا محل الأدوية باهظة الثمن، منها غالبًا نفس العنصر الفعّال وإن جاء الدواء فى صورة مختلفة بعض الشىء.
هنا نستثنى أدوية من نوعيات مختلفة تمامًا، كالأدوية البيولوجية الحديثة، والأدوية التى تستهدف جينات الإنسان المخالفة، فتلك قصة أخرى مختلفة تمامًا.
فى سبتمبر من كل عام يُحتفى بيوم الصيدلى، اليوم أهدى زملائى الصيادلة فكرة خارج الصندوق فى عيدهم القادم: هل يمكن، فى ظل ظروفنا الحالية، أن يتفضل الزملاء بالتفكير فى إعداد ملف للأدوية البديلة منخفضة السعر مقابل أدوية باهظة الثمن يعتمد أطباء كثيرون عليها دون غيرها فى علاج مرضى لا يملكون شراءها، وأن يُعلقوا بها آملين أنها الملاذ الآمن الوحيد؟
ملف لكل الأدوية البديلة مقابل الأدوية ذات الحسب والنسب يكون فى متناول كل الأطباء والصيادلة والمراكز الطبية.
ملف للأدوية البديلة تدعم نقابة الأطباء والصيادلة استعمالها عن علم ودراية، لا يلتف فيه لما قد يمارس عليها من ضغوط مختلفة، ملف للأدوية البديلة من المشروع القومى لصناعة الدواء مقابل الأدوية المستوردة، التى أصبح ثمنها مرتبطًا بالدولار الذى يواصل صعوده بصورة لا تخضع لأى قوانين.
اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.