السكرى.. جبل من ذهب.. لماذا لا نستغل الثروة المعدنية؟ - محمد أبو الغار - بوابة الشروق
السبت 28 فبراير 2026 7:34 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

السكرى.. جبل من ذهب.. لماذا لا نستغل الثروة المعدنية؟

نشر فى : الجمعة 27 فبراير 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الجمعة 27 فبراير 2026 - 6:10 م

تم تصنيف مشروع جبل السكرى حديثًا كأحد أكبر ١٠ مشروعات لإنتاج الذهب فى العالم، وحتى عام ٢٠٢٤ أنتج ٥٫٨ مليون أوقية ذهب. هذا المشروع العظيم نفذ إلى الإنتاج بصعوبة بالغة من براثن البيروقراطية المصرية ووجود قوانين تمنع الإنتاج والتطوير. لولا وجود بعض الوزراء الفاهمين الوطنيين مثل د. إبراهيم فوزى والدكتور مصطفى الرفاعى بعد ذلك ما كان لهذا المشروع أن ينجح وينتج ذهبًا أبدًا.
تعرفت على هذا المشروع عندما أهدانى د. إبراهيم فوزى كتابًا عن المشروع بعنوان «السكرى.. منجم من ذهب» صادر عن المركز الإعلامى العربى، وحرره رجل الأعمال الجيولوجى سامى الراجحى المستثمر المهم فى هذا المشروع.
ثم عقد مؤتمر فى مكتبة القاهرة الكبرى لمناقشة الكتاب وطلب منى أن أقدم الكتاب بعرض بشرائح وبدأ نقاش طويل بين عدد من الوزراء الحاليين والسابقين وعدد من أساتذة الجامعات ورؤساء هيئة التعدين المتخصصين فى هذا الموضوع.
بدأ المشروع عندما تقدم الجيولوجى سامى الراجحى المتخصص فى استخراج الذهب وصاحب شركة فى أستراليا إلى مصر طالبًا الترخيص له بالبحث عن الذهب فى منطقة البحر الأحمر فى جبل السكرى والمنطقة المحيطة به. سامى أصلًا خريج جامعة الإسكندرية وشركته اسمها الفرعونية وهى فرع يعمل فى مصر من شركته فى أستراليا.
وقد وقع خطاب النوايا فى عام ١٩٩٣ بين الشركة الفرعونية والدولة ووجد الخبير الراجحى أن الأدوات المستخدمة بدائية ولا بد من العمل من الصفر، واكتشف أن قانون التنقيب عن المعادن لا يصلح للاستمرار فى نهاية القرن العشرين.
ويعتبر الراجحى أن الجيولوجيين المصريين ممتازين ولكن البيانات غير كافية. أخذ العينات من ثلاث مناطق بصفة مبدئية وأرسلت إلى أستراليا لتحليلها.
مشكلة التعدين فى العالم كله أن المستثمر يصرف مبالغ طائلة من ملايين الدولارات للبحث والاستكشاف وقد لا يجد شيئًا وقد يجد، وعليه تحديد ما إذا كانت الكميات تسمح بتنفيذ مشروع استثمارى. القانون المصرى يعطى ٥٠٪ من الأرباح بعد أن يصرف المستثمر ملايين بمخاطر ضخمة، وهذا لم يشجع المستثمرين لأنه فى بلاد العالم يسترد المستثمر أولًا ما صرفه فى السنوات الأولى للدراسة واستخراج الذهب ثم يقتسم النسبة بينه وبين الدولة. غموض القانون أثار مشكلة لأنه لم يذكر بوضوح أن آلات وأدوات البحث ثم الاستخراج وأدوات التصنيع حتى الوصول إلى المنتج النهائى تكون معفية من الجمارك، فأثار ذلك تعطيلاً لمدد طويلة. بالإضافة إلى حق الوزير فى إيقاف المشروع أو حتى إلغائه بدون سبب واضح، وهذا ما حدث مع الراجحى لمدة عامين كاملين.
أخذت عينات كثيرة بأعداد كبيرة وفحصت فى معمل أعد خصيصًا وفى معامل الهيئة المجهزة جيدًا. وتوقف العمل عدة مرات بسبب البيروقراطية وخلاف على إصدار خطاب الضمان وتم طرد مهندسى الشركة.
بدأ العمل فى حفر الجبل بمعدات تم استيرادها من أستراليا وحفروا ٢٣٢ بئرًا فى الجبل ونظرًا لدقة الدراسات كانت نتائج الحفر إيجابية وطحنت العينات وتم تحليل النصف فى معامل الهيئة والنصف فى أستراليا وتم تدريب الحفارين المصريين والاستغناء عن الشركة الأسترالية وكان العمل يتم ٢٤ ساعة يوميًا دون توقف طوال الأسبوع.
المشاكل لم تكن فى موقع العمل وإنما فى القاهرة حيث تم دمج الشركة الفرعونية مع الشركة الأم الأسترالية ورفض سوق المال إضافتها للبورصة المصرية فقيدت فى بورصة لندن وفى هذا خسارة لمصر. تقدم المشروع وأصبح كبيرًا وبدأ العمل فى توسيعه وحينها تغيرت الوزارة وجاء وزير غير مقتنع بالمشروع ورفض مقابلة الراجحى. وقال هذا الوزير الأسبق إن مصر لم تنتج ذهبًا من ٢٥٠٠ عام ولن يحدث ذلك الآن ولا خلال ٢٥٠٠ عام مقبلة. توقف العمل عامين حتى تم تغيير الوزير ووصلت المشاكل إلى أعلى المستويات ورفعت قضية تحكيم وخلال ذلك تغيرت الوزارة ونقلت الاختصاصات من وزارة الصناعة إلى وزارة البترول وبدأ العمل.
يتحدث الكتاب عن تفاصيل دقيقة فى المصنع الذى تم به استخراج الذهب من الصخور بطرق مختلفة وبدأت مرحلة توسيع الطرق وبناء معسكر يتسع إلى ٧٠٠ شخص ومركز للوقود. ثم بناء مصنع جاء مفكوكًا وتم تركيبه.
وصل احتياطى الذهب فى المنجم ما يقرب من ١٢ مليون أوقية من الذهب قابلة للزيادة، عند إنتاج أول سبيكة ذهب ترك الجارحى رئاسة الشركة للتفرغ للحياة مع أولاده وأحفاده.
تم بناء المصنع وجميع المبانى والأجهزة المساعدة ومحطة الكهرباء ومشروع المياه وخرجت أول سبيكة على أيدى المهندسين والعمال المصريين فى ٢٦ يونيو ٢٠٠٩ بعد أن استثمر الجارحى ٢٣٧ مليون دولار.
حجم الإنتاج من المنجم حتى نهاية ٢٠٢٣ كان ١٧٥ طنا من الذهب وسوف يستمر الإنتاج بمعدل ١٦ طن ذهب سنويًا.
فى عام ٢٠١٠ و٢٠١١ طلبت الدولة الاستيلاء على إنتاج المنجم بالكامل ورفضت الشركة ذلك وأصرت على أن تقسم بين الشركة والدولة. استمر الإنتاج وإن استمرت المشاكل.
المشروع الآن يدخل لمصر دخلًا متميزًا وقد تم بيع الشركة الفرعونية لشركة تنجيم عالمية تدير المشروع الآن.
وفى النهاية واضح أن مصر عندها فرص عظيمة فى تعدين الذهب وغيره من العناصر النادرة ولكن ليتم ذلك يجب أن يكون هناك قانون واضح ودقيق يعطى للدولة حقها وللمستثمر حقه. من ضمن المشاكل أن الدولة أخرت الموافقة على حساب مصاريف الشركة ومعداتها لسنوات حتى تخصم من الإيراد، وأدى ذلك إلى لخبطة استمرت فترة طويلة.
ليس كل المستثمرين ملائكة ولا بد أن تأخذ مصر نصيبها وذلك بأداء واجبها كاملًا فى الميعاد وبدون تأخير وتوقيع اتفاقيات واضحة آخذين فى الاعتبار كل النقاط التى أثارت مشاكل فى اتفاقية الراجحى بحيث لا تتعطل الأعمال. وطبعًا لابد أن يكون الوزير المسئول متفتح الذهن وعنده سعة أفق ويساعد ولا يعطل ولا يسمح لصغار الموظفين بالتعطيل ويحافظ على حق الدولة حسب القانون والاتفاق وليس بالاستقواء على الآخرين.
يجب أن تحوى أى اتفاقية تنقيب عن المعادن نصوصًا واضحة عن الأجهزة والآلات اللازمة للاستخراج والتنقيب وأخرى خاصة بالتصنيع حتى يخرج المنتج النهائى، ويكون واضحًا فى العقد موقف الجمارك من هذه الأجهزة. لابد أن يكون هناك نظام محاسبى كفء ليتم حساب جميع المصاريف التى يتكبدها المستثمر سنويًا ولا تؤجل الحسابات حتى يستمر الإنتاج.
وإذا وافقت اللجان المختصة ووافق الوزير بصفة نهائية وتم التعاقد فليس من سلطة وزير جديد إيقاف التعاقد أو التنقيب. لو تم العمل بشفافية وأمانة سيكون التعدين باب خير لمصر والمصريين.
مصر سوف تكسب كثيرًا وتبنى الثقة مع المستثمرين وتفتح هذا الباب المغلق.

محمد أبو الغار الكاتب محمد أبو الغار
التعليقات