لماذا لم يكن معظم المصريين يعلمون بالمادة 22 من قانون الإجراءات الجنائي الجديد التي استحدثت لأول مرة في تاريخ التشريع المصري نظامًا للتصالح في جرائم القتل العمد والضرب المفضي إلى الموت بين الجاني وورثة المجني عليه قبل صدور حكم بات بما يوجب على القضاء تخفيف العقوبة درجة أو درجتين وفقًا للمادة 17 من قانون العقوبات الخاصة بإعمال الرأفة؟
في هذه الزاوية الأسبوع الماضي تحدثت عن بعض المحاذير والمعطيات الناقصة التي تجعل من الضروري إعادة النظر في المادة 22 على ضوء المصالح الاجتماعية والتطورات الجنائية والاعتبارات القانونية، إلى جانب المنطلق الشرعي الذي كان خلف اقتراح الأزهر استحداث هذه المادة التي وافق عليها مجلس النواب في يوم واحد ولم يقرأ أحد -من خارجه- صيغتها النهائية إلّا بعد صدور القانون.
بل إن الأخطر -وهذا ما يدعوني للحديث عن الشفافية في صناعة التشريعات- أن عددًا من النواب البارزين والمشتبكين دائمًا مع القوانين المهمة للمجال العام لم يكونوا قد قرأوا المادة قبل إصدار القانون، وبعضهم لم يعرف عنها شيئًا حتى نشرت "الشروق" تقريرها منذ عشرة أيام عن تطبيق محكمة النقض لمادة التصالح وتخفيف عقوبة مدانين اثنين من الإعدام إلى السجن المؤبد والمشدد.
ونحن هنا لا نتحدث عن تشريع نخبوي أو له طبيعة فنية معينة، وإنما تغير تشريعي جذري لم ينتبه إليه المحامون والوسط الحقوقي وحتى نسبة معتبرة من النواب، إلّا عندما نبهت إليه بعض دوائر محكمة النقض لأول مرة باعتباره القانون الأصلح للمتهم وواجب النفاذ إذا توافرت حالة الصلح مع ورثة المجني عليه.
والسبب بوضوح هو غياب الآلية التي تضمن اطلاع عموم المواطنين، وبالأخص القوى السياسية وأصحاب المصلحة والباحثين المتخصصين، على التطورات المتتابعة التي تطرأ على مشروعات القوانين المتداولة في مجلسي النواب والشيوخ، واقتصار الأمر على التغطية الصحفية لما يستجد من أحداث، ومن الطبيعي ألّا تشمل التغطية المعتمدة على عدد محدود من الزملاء المحررين جميع المستجدات وبالأخص عند تعدد المسودات والمشروعات وتوالي تقديم المقترحات من اللجان البرلمانية والجهات الأخرى.
والآلية المقترحة هنا رقمية من خلال الموقع الإلكتروني لمجلس النواب أو منصة مختصة لهذا الغرض، تتولى الإتاحة الدورية للتغييرات التي تطرأ على دورة إنتاج القوانين، من لحظة دخولها حيز مجلس النواب أو مجلس الشيوخ محالةً من الحكومة أو مقدمة من الأعضاء، وانتهاء بإقرارها نهائيًا، مرورًا بدراستها في اللجان وما قد تقدمه الأطراف المعنية من تعديلات وملاحظات ومذكرات إيضاحية وغيرها.
وتتعاظم أهمية آلية الإتاحة الدورية في القوانين الكبرى مثل "الإجراءات الجنائية" الذي استغرقت دورة إنتاجه أكثر من عامين، حتى تكون جميع الأطراف ذات المصلحة والمشتبكة مع المشروع في المجال العام على بيّنة من أمرها، وتمارس حقها في إبداء الرأي انطلاقًا من قاعدة معلوماتية واحدة، وأن تكون مواكبة للتعديلات المتعاقبة، كي يكون النقاش أنضج وأكثر دقة.
شفافية صناعة التشريعات ضمانة ضرورية لتعددية الآراء المتخصصة والفنية وتوسيع النقاش المجتمعي حول الآثار الواقعية للمشروعات، ولدمج المواطنين سياسيًا ورفع مستوى الوعي العام إزاء القضايا والسياسات العامة، ولتطبيق الحق الدستوري في تداول المعلومات والبيانات الرسمية باعتبارها "ملك الشعب".
وفي عصر هيمنة نقاشات التواصل الاجتماعي على المجال العام، تبدو الشفافية حلًا سحريًا وحيدًا لتجفيف مستنقعات الشائعات والأكاذيب، التي لا تقل خطورة عن احتكار رسم السياسات العامة مما يؤدي إلى خلق فجوة بين المشرع وجهة التنفيذ، أو بينهما وبين المخاطبين بأحكام القانون، وبالتبعية الاحتياج إلى تعديلات تشريعية سريعة أو تجاهل تطبيق بعض القوانين لحين تدارك سلبياتها الواقعية.
ولعل من الضروري اعتماد آلية الإتاحة من الآن ونحن على أعتاب مناقشات واسعة لقوانين الأحوال الشخصية ذات الطبيعة العامة، وكذلك قانون أحوال الأسرة للمواطنين المسيحيين الذي أقره مجلس الوزراء مؤخرًا، لأن كل رأي موضوعي نابع من خبرة واقعية سيكون مهمًا وفارقًا في دراسة النصوص وسيساعد بالتأكيد على استشراف الآثار الاجتماعية لتلك القوانين.
كما أن الإتاحة هي السلاح الوحيد لمواجهة الضوضاء التي تكون مفتعلة حول اللاشيء في معظم الأحيان، على أمل إعادة الاعتبار للنقاش الموضوعي والأطروحات الجادة.