خسارة إيران! - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الخميس 5 فبراير 2026 7:14 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

خسارة إيران!

نشر فى : الأحد 1 فبراير 2026 - 8:50 م | آخر تحديث : الأحد 1 فبراير 2026 - 8:50 م

ثمة فارق جوهرى بين ما تستهدفه الولايات المتحدة الأمريكية، وما تسعى إليه إسرائيل من الضربة المحتملة ضد إيران. الأولى، وفق ما تعكسه تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، لا تزال تعمل على إعادة طهران إلى فلكها كما كانت قبل الثورة الإسلامية؛ «دولة تؤدى دورا وظيفيا وترعى المصالح الأمريكية فى الإقليم».
أما الثانية، فهدفها يتجاوز حدود التطويع أو الإخضاع؛ إذ تنطلق الاستراتيجية الإسرائيلية من تصور أشمل، يقوم على تدمير الدولة الإيرانية وتفكيك بنيتها، وتحويلها إلى فسيفساء من الدويلات الطائفية والإثنية، بما يضمن التفوق المطلق لدولة الاحتلال فى محيط إقليمى هش، خال من أى قوى تمتلك أدوات ردع حقيقية.
رغم مرور ما يقرب من نصف قرن على نجاح الخمينى فى الإطاحة بحكم الشاه، وتأسيس الجمهورية الإسلامية التى أعلنت عداءها الصريح للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجنبت الذهاب لخيار الحرب الشاملة التى تفضى إلى تفكيك إيران، كما فعلت مع دول أخرى بالإقليم، واكتفت واشنطن، فى معظم الأحيان، بـ«رسائل نار» محسوبة، كلما اقتربت طهران من الخطوط الحمراء أو تجاوزتها.
منذ أزمة احتجاز رهائن السفارة الأمريكية فى طهران عام 1979، وما تلاها من فشل عملية «مخلب النسر»، تنظر الولايات المتحدة إلى إيران بوصفها «الصديق القديم الشارد» الذى لا ينبغى التفريط فيه، أملا فى استعادته يوما ما، فإيران، فى الوعى الاستراتيجى الأمريكى، ليست الخصم العنيد الذى يهدد مصالح واشنطن، بل «الشرطى الجيد التسليح الذى يحرس أكثر مناطق العالم اضطرابا وتقلبا»، حسب وصف الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر لدولة الشاه.
قبل ثورة الخمينى بأكثر من عشرين عاما، حاول رئيس الوزراء الإيرانى محمد مصدق كسر طوق الهيمنة الغربية -الأمريكية على بلاده، عبر قراره بتأميم النفط. لم تحتمل واشنطن ولندن تلك الخطوة، فنظمتا انقلابا أطاح به، لتعود طهران إلى بيت الطاعة الأمريكى فى ظل حكم الشاه المطلق، حتى جاءت الثورة الإسلامية لتنهى عقودا من لعب إيران دور «شرطى المنطقة» بالوكالة عن الولايات المتحدة.
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدا واضحا أنه يحاول استعادة تلك الصيغة القديمة؛ يُصعد مع طهران بقدر محسوب، يفاوضها ويده على الزناد، ويضيق الحصار الاقتصادى عليها أملا فى تفجيرها من الداخل ودفع الشارع إلى الانقلاب على نظام الملالى.
مطلع الشهر الماضى، وجه ترامب رسالة مباشرة إلى المتظاهرين الإيرانيين، دعاهم فيها إلى تصعيد احتجاجاتهم، متعهدا بأن «الدعم قادم»، غير أن النظام الإيرانى نجح فى احتواء المشهد، وحاصر الاحتجاجات، واستعاد السيطرة على الشارع.
فشل سيناريو التغيير من الداخل دفع واشنطن إلى طرح عدة خيارات بديلة؛ أولها توجيه ضربات محددة تستهدف أجهزة الأمن ومقرات الحكم، بهدف إضعاف النظام، وبث الثقة فى صفوف المحتجين. وثانيها شن ضربات أوسع تطال المنشآت النووية والصاروخية، والمرافق الحيوية للدولة، بما يجبر النظام على تنازلات جوهرية، تفقده شرعيته أمام قاعدته العقائدية.
أما الخيار الثالث، فيقوم على مواصلة سياسة الضغط العسكرى، عبر نشر حاملات الطائرات والمقاتلات فى محيط إيران، لإجبارها على التفاوض «تحت النار»؛ فإما القبول بالمطالب الأمريكية المتعلقة بالبرنامجين النووى والصاروخي، ووقف دعم الحلفاء فى الإقليم، أو الذهاب إلى المواجهة المفتوحة.
فى المحصلة، تحشر هذه الخيارات إيران فى زاوية ضيقة؛ فلتجنب الضربة العسكرية، عليها القبول بشروط واشنطن، وهو ما يعنى استسلاما كاملا، لم تستطع طهران حتى الآن تجرعه، مؤكدة أن «ثمن الاتفاق وفق الشروط الأمريكية يفوق كلفة الحرب».
فى المقابل، تضغط إسرائيل باتجاه حسم أمريكى أكثر جذرية، لا يقتصر على تحجيم القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، بل يستهدف بنية الجمهورية الإسلامية نفسها، تمهيدا لتفكيكها، وفتح الطريق أمام هيمنة إسرائيلية مطلقة، عسكريا وسياسيا واقتصاديا، على الإقليم.
بين تباين الهدفين الأمريكى والإسرائيلى من الضربة المحتملة، تبدو الدول العربية الخاسر الأكبر؛ فتقويض إيران، أو تغيير نظامها وإعادتها إلى الفلك الأمريكى، أو تفكيكها وضرب استقرارها الداخلى، كلها سيناريوهات تمثل خصما مباشرا من رصيد الشرق الأوسط، الذى توعد رئيس الحكومة الإسرائيلية بإعادة هندسته ورسم خرائطه بما يخدم مصالح دولته.
رغم أخطائها الكبرى، ومساعيها المستمرة لفرض مشروعها على المحيط العربى، تظل إيران قوة ردع تسهم فى إحداث توازن فى مواجهة المشروع الإسرائيلى؛ وهى حقيقة ينبغى أن تضعها فى حساباتها دول المنطقة الكبرى التى تتعامل معها إسرائيل كأهداف مستقبلية.
بقاء إيران كقوة ومشروع يمثل ضمانة لتحقيق التوازن فى الشرق الأوسط، وسقوطها يفتح الباب أمام تغول مشروع الهيمنة الإسرائيلى، لاسيما فى ظل غياب مشروع عربى قادر على كبح هذا الاندفاع أو موازنته.

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات