يستطيع المعارضون أن يختلفوا مع النهج السياسى، بل وحتى النهج المذهبى، الإيرانى إذا شاؤا. فمن حق الناس أن يكون فكرهم السياسى أو الاجتماعى أو الثقافى مختلفًا عن مثيله الإيرانى، ما دام أن الاختلاف يتم بالحوار العقلانى المتّزن المنضبط وبالتسامح الأخلاقى القيمى غير المتزمت.
لكن ما لا يستطيعون إنكاره بأى حال من الأحوال، أو تقييمه بخفّة واستهانة، بأى مبرّر كان، المواقف الإيرانية الشجاعة المناضلة، المنسجمة فى روحها مع مشاعر العروبة والإخوة الإسلامية، تجاه الوجود الصهيونى فى فلسطين المحتلة وتجاه سياساته القمعية وجرائمه الإنسانية بحق من يعتبرونهم إخوة فى الإسلام والإنسانية من شعب فلسطين، ومواقفهم المبهرة المناضلة المساندة بالمال والعتاد والحماية فى كل المحافل الدولية لكل قوى المقاومة الفلسطينية والعربية والإسلامية، بأى نوع كان وعلى أى مستوى، ضد ذلك الوجود الصهيونى الاستعمارى الاستئصالى، وضد خرافاته الدينية، وضد على الأخص حلمه الأكبر بإقامة ما يسمّيه «وطن إسرائيل الكبرى».
سيكون عيبًا ألا يكون جميع العرب ممتنين لتلك المواقف التحررية الإيرانية فى معركة العرب والمسلمين الوجودية مع الصهيونية العالمية ومناصريها من بعض دول الغرب الاستعمارى.
لذلك فإن التصريحات المؤيدة لإيران فى معركتها الحالية ضد أمريكا والكيان الصهيونى سواء التى صدرت من قادة المقاومة فى فلسطين ولبنان والعراق واليمن وعبر الكثير من الوطن العربى أو أنها صدرت كتصريحات رسمية من العديد من دول الوطن العربى، وبالأخص الخليج العربى بشأن معارضتها لقيام أمريكا أو الكيان بشنّ حرب على الجارة المسلمة وبشأن تقديم الوعود بأن سماء تلك الدول لن تكون ممرًا لطائرات دول العدوان فى هجومها على إيران، فإنها قد لاقت الكثير من الاستحساب الشعبى العربى، خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعى الجماهيرية.
لكن تغيير تلك العلاقة فيما بين ضفّتى الخليج تستدعى أكثر من ذلك بكثير. إنها تستدعى استراتيجية طويلة المدى تقوم على أسس واضحة.
على رأس تلك الأسس وضع استراتيجية لمصالح اقتصادية تنموية وأمنية مشتركة فيما بين الدول العربية وإيران فى الخليج. ولقد كتب الكثير عن الأهمية القصوى لوجود هكذا استراتيجية منذ قيام مجلس التعاون، بل ومنذ نجاح الثورة الإسلامية فى إيران. فالخليج هو جغرافية مشتركة فيما بين الدول التى تطل عليه، وهو تجمّع يربط أجزاءه تاريخ مشترك يمتد إلى أكثر من خمسة عشر قرنًا، ودين إسلامى واحد، حتى ولو وجدت بعض الخلافات المذهبية الفقهية التى هى فى الأساس من وضع وتصورات الفقهاء البشر ومن حبك الدسائس المفرّقة من قبل أصحاب المصالح والأعداء من كلا الجانبين. فاالله واحد، ومبلغ الرسالة واحد، والقرأن واحد، أما أفهام البشر فهى التى تتبدّل وتتغيرّ وتتلوّن عبر الأزمنة.
من هنا فإن وجود منظمة التعاون الإسلامى فى الخليج، وتنسيقها التام مع مجلس التعاون الخليجى هو الآخر يحتاج إلى أن تكون له استراتيجية ديناميكية فاعلة.
وبالطبع فإن الاستعمار الغربى والكيان الصهيونى لن يريدوا قط لهذا الخليج أن يكون قوة اقتصادية - أمنية متراصّة وقوية. ولذلك فاعتماد البعض على مساعدة هذه الجهة الغربية والصهيونية أو تلك على حل المشاكل أو الخلافات فيما بين دول الخليج هو اعتماد طفولى وخاطئ.
لقد أثبتت الحقب، خصوصًا بعد الحرب العراقية الإيرانية العبثية فى ثمانينيات القرن الماضى، بأنه قد آن الأوان لبعض جهات كلا الطرفين، العربى والإيرانى، أن تتوقف عن العبث بشعوب دول الخليج التى من المؤكد أنها تتطلع إلى التنمية والنهوض والتقدم بدلًا من المهاترات التى ملّ الناس من سماعها.