شهادات شاهد على أمة تنهض - جميل مطر - بوابة الشروق
الأربعاء 4 فبراير 2026 11:46 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

شهادات شاهد على أمة تنهض

نشر فى : الأربعاء 4 فبراير 2026 - 8:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 فبراير 2026 - 8:30 م

اختلطت فى الذاكرة تفاصيل تجربتى فى الدبلوماسية مع تجربتى فى الصحافة مع فيما بينهما من تجربة العودة إلى قاعات الأكاديميا، وهى المرحلة التى على قصرها أضافت الكثير، أو بمعنى أدق عملت على تعميق بعض ما كان تعاملى معه فى التجربتين سطحيا أو كان صعبا ومعقدا على فهم شاب فى أوائل العشرينيات من العمر، شاب قليل الخبرة. بعض تفاصيل هذه التجربة أو تلك أو الثالثة تسرب بقلمى خلال السنوات القليلة الماضية ولكن بقيت تفاصيل لم تحصل على حقها من النشر واطلاع قراء كلهم أعزاء.
صحيح أننى لم أبخل عامدًا متعمدًا على قرائى بتفاصيل إلا ما خشيت عليها أو منها أن تحرج أصحابها أو يُساء تفسيرها. كنت أنا نفسى وقتها أقل جسارة أو كانت بعض خزائن الذاكرة ما تزال غضة وخجولة لا تسمح للغرباء بالاطلاع على خفاياها، وبالفعل لم تمتد إليها يدى إلا بعد انتهاء أدوار عشتها ملتزمًا بأصول أو أخلاقيات مهنة لم تفرض نفسها بل سعيت لامتهانها.
• • •
وصلت بكين وأنا رب عائلة فى الثانية والعشرين وزوجة فى التاسعة عشرة وجنين فى شهره الثالث. قضينا فى الطريق إلى بكين يومين أو ثلاثة بهونج كونج نتبضع لشتاء قاس فى بكين. انبهرت بهونج كونج هذه المدينة الحية بالتجارة والسياسة والجاسوسية. قبل وصولى تخيلتها لن تختلف عما رأيته فى أفلام السينما عن الحياة فى طنجة والدار البيضاء خلال الحرب العالمية الثانية، لكن ما أن تجولنا فيها إلا وأدركت أنها مدينة مختلفة وبالفعل كانت مختلفة. تخيلت على الفور عبقريتين، الصينية والبريطانية، تجتمعان فى مدينة، تنسقان بوداعة فائقة قواعد العيش بينهما. المثير أن هذه المفارقة لم تتبلور حقيقة واقعة فى الداخل الصينى على امتداد القرن التاسع عشر. هناك، فى القرن التاسع عشر، تعارضت الإرادتان بشدة وأيضًا بقسوة بينما فى هونج كونج تبادل الطرفان المنافع حتى يوم استكمل الإنجليز الانسحاب من كل مستعمراتهم شرق السويس.
جدير بالذكر أننا كنا فى بكين أسوة بكافة البعثات الدبلوماسية نأكل ونشرب ونقرأ ما تبيعه لنا هونج كونج. إذ كان ما نحصل عليه من المتجر التابع لوزارة الخارجية الصينية لا يزيد عما تقرر لنا من أرز وتفاح وكرنب.
كانت فترة حافلة بالتحدى والفضول. تعللت مرارا بزيارة زملاء من بعثات دبلوماسية أخرى اختاروا السكن فى أحياء شعبية. البيت الصينى تسكنه فى العادى ثمان أو عشر عائلات يطلون جميعهم على بهو واسع. كل عائلة مسئولة فى يوم محدد عن تنظيف البهو ودورات المياه المشتركة إن وجدت. كذلك يتعين على كل مجموعة عائلات تنظيف الشارع ومطاردة العصافير عن طريق إحداث ضجة هائلة تحرم على العصافير النوم فتقع على الأرض متعبة. هناك جائزة رمزية من فرع الحزب فى الحى لكل طفل استطاع تجميع عصافير هالكة تملأ وعاء غير صغير. جدير بالذكر ودافع للإعجاب أننى لم أقابل متسولا واحدا فى أى زيارة قمت بها إلى تلك الأحياء أو غيرها على امتداد العام الذى قضيته فى الصين.
مؤكد أن الحزب الشيوعى الصينى استطاع فى أقل من عشر سنوات أن ينجح فى توزيع القليل من المواد الغذائية توزيعًا عادلًا على الصينيين. نجح أيضًا فى القضاء على تجارة المخدرات، وهى السلعة التى روج لها المستعمر الإنجليزى وأغرق بها البلاد بل دخل حربًا مع حكومة الإمبراطورية الصينية بسببها. وبسببها جاء وقت قبل وصول الحزب إلى الحكم كانت شوارع المدن تزخر بالمتسولين وجثث أطفال حديثى الولادة وأسواق تباع فيها الزوجات.
نجحت حكومة الثورة الشيوعية فيما نجحت فيه مستخدمة درجة عالية من القمع. زاد القمع متدرجا خلال وجودنا ثم بلغ القمة بعد رحيلنا عندما أطلق الرئيس ماو ثورته الثقافية التى أطاحت على أيدى الشباب بعدد هائل من قيادات الحزب ومدرسى الجامعات. أقول، مع القائلين وهم كثر، أنه لولا هذه الثورة لما استطاعت الصين تحقيق انتقال ناجح من نظام شيوعى بخصائص صينية إلى نظام اقتصاد السوق أيضًا بخصائص صينية. فى النظامين كان الحزب مهيمنًا ومحركًا.
• • •
أذكر بكل ارتياح وإعجاب رحلتى الثانية إلى الصين فى أوائل عقد السبعينيات ضمن وفد صحفى من مؤسسة الأهرام بعد أن مر على زيارتى الأولى ما يزيد على خمسة عشر عامًا، قضيت بعضها فى أوروبا وبعض آخر فى أمريكا اللاتينية ثم ثلاث سنوات فى أمريكا الشمالية، أكثرها فى جامعة بكندا أدرس خصيصًا الصين بين موضوعات أخرى. عدت إلى بكين إنسانًا مختلفًا لأجدها أيضًا مختلفة. كان الرئيس على أبواب مرحلة الرحيل، والناس على اختلاف مشاربهم يتحركون ويستعدون لتغيير قادم. هناك وفى هذه الزيارة استمعت إلى حوار أعادنى إلى أجواء المحاضرات فى مونتريال على أيدى فلاسفة وعلماء سياسة من أوروبا الشرقية والولايات المتحدة. دار الحوار أثناء أحد لقاءات وفدنا الصحفى بالمسئولين فى الحزب، دار بين عملاقين فى الشأن الأيديولوجى، بين زميلنا فى الأهرام محمد سيد أحمد ووزير الخارجية شو إين لاى. لعبت للحظة دور المحفز عندما توجهت بالسؤال إلى الوزير عن آخر رأى للحزب فى الشقاق الدائر فى الحزب الشيوعى الإيطالى والانتقادات الموجهة للشيوعية، كما طبقت فى روسيا.
كان طرفا الحوار رائعين. لا أظن أننى سمعت حوارًا على هذا المستوى من قبل ولا من بعد. ليلتها صرحت أمام أعضاء وفدنا الصحفى فى جلستنا الليلية المعتادة فى نهاية كل يوم حافل بالحكايات والدروس، صرحت واتفق معى محمد هيكل ومحمد سيد أحمد على أن الوزير شو إين لاى ألمح بثقة متناهية إلى أن التغيير فى الصين نحو نظام مختلف صار قريبًا وضروريًا، بشرط أن تستمر حملات تطهير الفساد تنفيذًا لنظرية الثورة الدائمة لحماية النظام من الفاسدين والمارقين.
بالفعل وبعد سنوات معدودة من لقائنا بشو إين لاى حدث التغيير. تغيرت فى النظام الصينى عقيدته وقيادته ورؤاه لدوره فى آسيا وفى العالم. حدث كذلك وبعد مرور أقل من عقدين أن سقط النظام السوفييتى فى موسكو ثم فى دول أوروبا الشرقية.
تقدم بى العمر وما زلت أتابع بشغف تطورات التجربة الصينية فى النهوض بالبشر والدولة إلى مستويات غير معهودة من التقدم فى مدة زمنية أيضًا غير معهودة. أتابع أيضًا وباستمتاع سلوك الصين السياسى فى الساحة الدولية، سلوك دولة على يقين من أن حلم أن يقوم نظام دولى تعددى محل الهيمنة الأمريكية الراهنة صار أقرب للتحقيق من أى وقت مضى.

جميل مطر كاتب ومحلل سياسي