فى الأولويات - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 28 فبراير 2026 3:26 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

فى الأولويات

نشر فى : الجمعة 27 فبراير 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الجمعة 27 فبراير 2026 - 6:30 م

دار حديثٌ بين صديقات اجتمَعن على إفطار رمضان فى بيت إحداهن، تفاخرت أصغرهن بعباءة ابتاعتها خصيصًا للعزائم والزيارات، صيحة جديدة من الصيحات التى تظهر ليتكالب عليها الناس، ويصنعون منها ضرورة لا غنى عنها. قامت تريهن جمال النسيج والتطريز وتجيب عن تساؤلاتهن بشأن ثمنها وأماكن بيعها؛ لكن أخرى أفسدت موقف التباهى والإعجاب بتعليقها: "على إيه؟ اللقمة فى بطن جايع أخير من بناية جامع". توتَّر الجوّ قليلًا وتحوَّلت العباءة إلى مصدر شدّ وجذب؛ فقامت المُضيفة الأكبر سنًا لتأتيَ بأطباق القطائف والكنافة وتصبَّ الشاي؛ لعل الحلوى تلطّف الأمزِجةَ وتخفّف من حِدَّة الاشتباك.
* • •
لترتيب الأولويات أهمية لا تنكر؛ فالمرء متى أدرك احتياجاته وصنفها تبعًا لمكانتها ومردودها واستبعد الزوائد؛ حقق مبتغاه عبر أقصر الطرق. بعض الناس يصرفون ما فى جيوبهم على مباهج تسرُّهم ويتغافلون عن أساسيات الحياة ثم يفاجئون إذ صاروا فى مأزق، فيما آخرون يحددون أهدافهم بدقة ويضعون قائمة لا يعبثون بمحتوياتها مهمًا جرى. على كل حال ضاقت مساحة التحرُّك فى الآونة الأخيرة، واقتصرت الأولويات على الحدود الدنيا التى يمكن أن يحيا ضمنها إنسان.
* • •
يؤكد الموروث الدينيّ أن "دَرء الضَّرر مُقدَّم على جَلبِ المَنفعة"، بينما يضع فِقه الأولويات الأهمَ قبل المُهم، والأوجَب قبل الواجِب، والوَاجب قبل المُستحَب، والأصل قبل الفرع، والحق أن الضَّررَ الناتجَ عن أحوال الفاقة والعَوَز لا يعادله ضَررٌ آخر، فالمرءُ متى اختبرهما وقاسى سعيرهما؛ انكسرت روحه وفترت همتُه.
* • •
تجهر الحِكمةُ الشعبية بأن: "اللى يعوزه البيت يحرم ع الجامع"، وفيها درس بليغ فى تقييم الأولويات. كفاية الفرد من الطعام والشراب والعلاج مقدمة على أى شيء ولو بدا مقدسًا، بل أن الجوعَ فى الموروث الدينى يعفى من عقوبة السرقة المعلومة، وهرم ماسلو الشهير الذى تتراص فيه الاحتياجات الأساسية لأى إنسان؛ يضع الأكل قاعدة أولى تتراص فوقها الدرجات، إلى أن تأتى القمةُ وفيها يتحقَّق الإشباع النفسيّ والمعنوى. إن غابت القاعدةُ لم يُمكن بناءُ الهَرم، وإن تعثَّر البناءُ كان إيذانًا بخراب وشيك.
* • •
يُقال إن: "الحيّ أبقى من الميت" وذاك مما لا جدال فيه، فمن غادر الدنيا لم يعد بحاجة لمقتضياتها، والحِكمةُ تنسحبُ على مواقف متفاوتة لا تشترط ثنائية الحياة والموت بحرفيتها؛ فأكم من موقف عصيب اضطر فيه طبيب لإنقاذ مصاب وترك آخر بناء على تقديره لمقومات الاستمرار التى يملكها كلٌّ منهما؛ من ظهر بصيصُ أمل فى نجاته كان أولى بما توفر من جهود، ومن دخل طور الاحتضار طُلِبَت له الرَّحمة. كثيرًا ما شاهدنا فى الدراما مشهدًا يختار فيه الطبيب الإبقاء على حياة الأم وترك جنينها لمصيره؛ وضع مؤلم معقد؛ لكن الأولى بالحياة مَن هو عليها بالفعل.
* • •
بعض الناس يقدمون مظهرهم العام على متطلباتهم الشخصية من مأكل ومشرب، يحرصون بدأب على صورتهم، ويتجنبون أحاسيس الخجل التى تغمرهم بسبب الهيئة المتواضعة، ويسعون لحفظ ماء الوجه والبقاء فى دائرة الاحترام المجتمعيّ بأى وسيلة. آخرون يقدمون الطعام على ما عداه من بنود؛ إذ يدركون أن الجوع كافر وأن إسكات صوت البطون الخاوية أهم مما سواه، قسم ثالث همُّه الأول أن يحقق للأولاد مستوى دراسى مقبول، ولو اقتصد من مخصصات العلاج أو اقتطع من الزاد والقوت؛ طامحًا لأن يستكملوا تعليمهم. أمل الترقى فى السلم الاجتماعى يحث الناس على انتهاج ما لاح أمامهم من وسائل وعلى سلوك ما تبدى من دروب؛ ولو لم تكن آمنة ولو خالفت ما اعتقدوا فيه زمنًا.
* • •
ضمن النظام العالمى الذى يعاد تشكيله الآن؛ تتبلور الأولويات حول اقتناص أى فرصة لتسيد الآخرين ومراكمة الميزات الشخصية والثروات. رجل الأعمال الذى يحكم أكبر دولة ويتحكم فى واحد من أعظم الاقتصادات، لا ينفك يبحث عن هدية هنا وتكريم هناك، لا يخجل أو يستحى من الطلب والسؤال؛ فإن لم ينل غرضَه باللسان، أعمل اليد ولوَّح بالسلاح وحرَّك الجنود. العجب ليس فيما يرتكب فقط؛ بل أن يجد من يسمع ويطيع، ومن يمضى فى ركابه فيهلل له ويمدح مسلكه. تحوَّل بعض القادة فى بلاطه إلى مريدين؛ يبحثون بدورهم عن مصالح شخصية ضيقة، يطمحون لتحقيقها بفضله وتحت رعايته، بقاؤهم مرتبط بوجوده، وبقاؤه صمام أمن يحفظ سلطاتهم.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات