هيكل وشهادته على مبارك وزمانه - محمد سعد عبدالحفيظ - بوابة الشروق
الأحد 15 فبراير 2026 10:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

هيكل وشهادته على مبارك وزمانه

نشر فى : الأحد 15 فبراير 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الأحد 15 فبراير 2026 - 7:10 م

قبل عشرة أعوام، غاب الكاتب الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل منصرفا إلى «دار العودة»، بعد خمسة أعوام فقط من إسدال الستار على حقبة الرئيس الراحل حسنى مبارك فى 11 فبراير 2011.

كانت نبوءته بسقوط النظام قد سبقت رحيله بسنوات، حين حذر فى تسعينيات القرن الماضى من أن «النار تقترب من الحطب بأكثر مما تحتمله سلامة الأحوال فى مصر»، فى تشخيص دال لمشروعية «سلطة شاخت فى مواقعها»، و«مجتمع تتراكم فى صدوره أسباب الغضب».

لم يكن هيكل خصما تقليديا لمبارك، فالعلاقة كانت أكثر تعقيدا.. علاقة بين صحفى خبر أمراض مصر وطرق علاجها، ورئيس يفتقد أى خبرة سياسية، ويفضل ممارسة صلاحياته دون ضجيج أو مساءلة.

ثلاث مراحل لخصت هذه العلاقة كما كتب هيكل فى «مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان»؛ حسن ظن يمنح الرجل «حق الفرصة»، ثم خلافات ممتدة حول جوهر السياسات، وأخيرا معارضة واضحة حين رأى أن «الانفراط والتفريط يجرفان كل خصب على أرض».

فى مايو 2008، وكنت مكلفا بتغطية ندوة نظمها نادى القضاة للأستاذ، أطلق هيكل حينها عبارة بدت أقرب إلى لغز «مصر مقبلة على ما لم تشهده من قبل فى تاريخها.. هتشوفوا اللى عمركم ما شفتوه».

لم يكن هيكل يطلق أحكامه من فراغ، بل كان يقرأ بخبرته ملامح «الوضع المخيف» الذى أخذ يتشكل. كان يرى «نظاما يراكم الأزمات بدلا من أن يحلها، ويؤجل الاستحقاقات بدلا من أن يواجهها»، فبدت لحظة الانفجار، نتيجة منطقية لانسداد الأفق.

من نادى القضاة صك الجورنالجى عنوانا لمستقبل البلاد «القادم شدة وليست ردة»، داعيا إلى «التفكير فى اليوم التالى»، لتندلع بعد أقل من ثلاث سنوات ثورة يناير، وينهار ما بدا راسخا، وتتحق نبوءته.

منذ اللحظة الأولى لتولى مبارك الحكم، أدرك هيكل أنه أمام شخصية عملية، أقرب إلى إدارة التفاصيل منها إلى صناعة السياسات والاستراتيجيات.

بعد أن تقلد مبارك صلاحياته كرئيس للجمهورية، دعا هيكل إلى لقاء عقب إطلاق سراحه من سجن طرة.. أخبره الرئيس إنه لا يقرأ مقالاته «بصراحة» لأنه «لا يفهم أين ترسو»، ساعتها أدرك هيكل طبيعة العلاقة الممكنة مع خليفة السادات الذى «لا يحب الاستطراد، ولا يطمئن إلى السياسة».

طلب مبارك منه الانضمام إلى الحزب الوطنى، فرفض واقترح عليه تجميد عضويته هو، لأن «الحزب يستمد وجوده من السلطة لا من الناس».. فى ذلك اللقاء الذى استمر ست ساعات، تبلور الخلاف الجوهرى بين الطرفين «هل تُدار الدولة ويتحقق الاستقرار بالأمن وحده، أم بالسياسة والمشاركة وفتح المجال العام؟».

فى منتصف التسعينيات، جاءت مواجهة قانون 93 لسنة 1995، الذى عُرف بقانون «اغتيال الصحافة». فى رسالته إلى الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، كتب هيكل أن أسلوب إعداد القانون «أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع أحكام»، واصفا السلطة التى وضعت القانون بأنها «شاخت فى مواقعها»، وهى العبارة التى ظلت تستخدم لتوصيف تلك المرحلة بالكامل.

ثم جاءت محاضرته فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة فى نوفمبر 2002 والتى حذر فيها من مخاطر «التوريث» فى الجمهوريات العربية، لتثير عواصف من الغضب، كما روى لاحقا لأن «السر تفجر فى العلن.. ولأن تفجيره جاء على غير انتظار».

كان قلقه أعمق من واقعة بعينها؛ كان يرى أن اختزال الجمهورية فى عائلة، أو فى دائرة ضيقة من المنتفعين، يقوض الأسس التى قامت عليها، ويهز أسس الاستقرار من داخلها، «أى انزلاق فى هذا الاتجاه يفتح الباب أمام ارتباك لا يمكن ضبط إيقاعه حين تتراكم الضغوط وتضيق الخيارات».

حين سقط مبارك، لم يُفاجأ هيكل. كتب أن ما حدث «كان يجب أن يقع من أمة ترفض أن تستسلم»، وتساءل: «كيف جلس هذا الرجل ثلاثين عامًا؟ وكيف صبر الشعب ثلاثين عامًا؟» ثم أجاب بمرارة: «حظه طال، وصبر الناس طال أكثر، حتى لم يعد الصمت ممكنا».

بعد 2011، فرض الأستاذ حضوره بما يملك من تراكم وخبرة، صار مكتبه على نيل الجيزة، وبيته فى برقاش، قبلة للسياسيين وشباب الثورة ورجال الحكم، يسمع منهم ويسمعون له، باعتباره الخبير القادر على قراءة الحاضر والتنبؤ بالمستقبل.

قبل رحيله بأسابيع، فى نهاية 2015، بدا قلقا من تفكك الجبهة الداخلية. وحذر من إدارة الحاضر بأدوات الماضى، ومن توقع نتائج مغايرة رغم ارتكاب نفس الأخطاء؛ قال إن مصر تحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وإلى عقول ترصد ما جرى فى الداخل والخارج قبل أن تقرر من أين تبدأ.

فى الذكرى العاشرة لرحيله، لا يسعنا إلا أن نستدعى نصيحته الأخيرة «المستقبل يحتاج إلى تصور عام ورؤية يشارك الناس فى وضعها».

محمد سعد عبدالحفيظ كاتب صحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين
التعليقات