نشرت جريدة القبس الكويتية مقالًا للكاتب سليمان الخضارى، يوضح فيه التبعات النفسية والجسدية السلبية لكبت الشكوى داخل النفس وادعاء القوة دائما؛ فالكاتب يؤكد على حقيقة مهمة، وهى أن العلاقات القوية لا تُبنى فقط على القوة المتبادلة، بل على مشاركة لحظات الضعف أيضاً؛ فالإفصاح عن الحاجة هو «هدية ثقة» تقرب القلوب أكثر من الابتسامات المصطنعة.. نعرض من المقال ما يلى:
فى كل عائلة واحد منهم على الأقل، ذلك الشخص الذى تتصل به لتسأله عن أحواله فيجيب بابتسامة تسمعها فى صوته: «الحمد لله، كل شىء بخير»، تتعاقب عليه الأزمات وهو يوزّع الطمأنينة على الجميع، يتصل ليسأل عنك وينسى أو يتناسى أن يحكى عن نفسه، وحين تُلحّ عليه بالسؤال يهزّ كتفيه ويقول: «كل شىء بخير ما دمتم بخير»، ثم يتحدث عن الطقس أو آخر الأخبار كمن يُغيّر الموضوع بخفة لا تُلاحَظ!
هؤلاء الصامتون عن آلامهم نراهم فى كل مكان، وفى الحقيقة لسنا نراهم، يمرون بين الناس كأنهم الأكثر استقرارا والأقل احتياجا، يفقدون وظائفهم فيبتسمون ويقولون «باب يُقفل وأبواب تُفتح»، تتعثر زيجاتهم فيصمتون ويحلّون مشاكل زيجات الآخرين، تتكسّر أحلامهم فيهنّئون غيرهم على أحلامهم المتحققة بحماس يبدو صادقا، حتى حين تعرض عليهم المساعدة ينظرون إليك بدهشة حقيقية وكأنك اقترحت شيئاً غير مألوف، ثم يسألونك أنت إن كنت بحاجة لشىء!
ثمة من يظن أن هذا الصمت الطويل عن الألم علامة قوة ونضج يستحقان الإعجاب، وأن صاحبه بطل يحمل جبالاً دون أن يتأوّه، لكن خلف هذه الصلابة المعلنة يختبئ أحياناً خوف قديم، خوف من أن يُرى ضعيفاً فيُنظر إليه بشفقة، أو أن يطلب فيُرفض، أو أن يبوح فيُساء فهمه، أو ببساطة أن يكتشف الناس أن ذلك القوى الصامد ليس قوياً إلى هذا الحد، فيُفضّل أن يعانى فى العتمة على أن يتألم تحت الأضواء!
كثير من هؤلاء تعلّموا الصمت فى طفولتهم حين كان البكاء يُقابَل بالتوبيخ لا بالاحتضان، وحين كانت الشكوى تُقابَل بالتأفف أو بعبارات من نوع «غيرك مشكلته أكبر ولا يشتكى»، فكبروا وهم يظنون أن مشاعرهم عبء على الآخرين يجب إخفاؤه، وأن احتياجاتهم ثقل يجب التستر عليه بابتسامات متقنة، وأن طلب المساعدة نوع من الاستجداء المعيب الذى لا يليق بمن يحترم نفسه ويحترم وقت الآخرين!
الأثقل من الصمت نفسه هو ذلك الإرهاق الخفى الذى يتراكم مع السنين كغبار لا يُرى، فالإنسان الذى لا يُفرّغ ما فى داخله يمتلئ حتى يفيض، لكن الفيضان عند هؤلاء نادراً ما يكون دموعاً أو كلمات، بل يتسرّب فى شكل أمراض جسدية غامضة يعجز الأطباء عن تفسيرها، أو انفجارات غضب مفاجئة على تفاصيل تافهة، أو انسحاب صامت وتدريجى من الحياة والناس، وكأن الألم الذى لا يجد طريقاً للخروج يبدأ فى حفر أنفاقه الخاصة داخل صاحبه!
هؤلاء الذين لا يشتكون يظنون أنهم يحمون الآخرين من همومهم ويوفّرون عليهم الأثقال والتعب، لكنهم فى الحقيقة يحرمون من يحبونهم من فرصة الاقتراب الحقيقى منهم، فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى على تبادل الابتسامات والعبارات المنمّقة فقط، بل على تبادل الهشاشة أيضاً، وحين نسمح لأحدهم بأن يرانا على حقيقتنا محتاجين أحياناً وخائفين أحياناً ومرهقين فى أحيان كثيرة، فإننا نمنحه هدية الثقة التى لا تُقدّر بثمن، ونفتح باباً لقرب لا يمكن أن تبنيه ألف ابتسامة مُتقنة الصنع!
لذلك لا تتفاجأ إن وجدت أن أكثر من يرفض أن يُثقل على أحد، يكون أحيانا أول من يسمع شكاوى الآخرين بصدر رحب، ويمنح الجميع أذناً صاغية وكتفاً يبكون عليها ونصائح تُخفّف عنهم، لكنه يحرم نفسه مما يمنحه للآخرين بسخاء، وكأنه يؤمن فى أعماقه أن الكل يستحق المساندة.. إلا هو!