انهيار النظام العالمى، على النحو المشهود، لا يعنى نهاية العالم، بل هى بداية لترتيبات نحو نظام جديد. فقد انتهى النظام العالمى القديم، الذى غُرست جذوره وأبرمت اتفاقاته قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدأ العمل به وفقًا لأوزان القوى الكبرى بعدها. والإدراك المبكر لنهاية «النظام الدولى المبنى على قواعد»، حتمى لمن أراد التقدم.
قد يطيب لك وصف حالة التعاون الدولى الراهنة بما لخصه خبير العلاقات الدولية الأمريكى إيان بريمر بمصطلح «جى زيرو»، فالحرف الذى يلفظ «جى» باللغة الإنجليزية يرمز إلى التجمعات الدولية، مثل مجموعة الدول السبع الصناعية، أو مجموعة الدول العشرين. وما شرحه بريمر فى كتابه، الصادر فى عام 2012، المعنون «كل دولة لذاتها فحسب: الرابحون والخاسرون فى عالم جى زيرو» هو تراجع تأثير هذه البلدان منفردة أو مجتمعة فى تحريك الأجندة الدولية أو توفير «السلع العامة العالمية» مثل الأمن وتأمين مسارات التجارة والملاحة والتصدى للأزمات. وعلى النحو الراهن من هشاشة فى الحوكمة، والتفتيت الاقتصادى تتصاعد الأزمات الجيوسياسية وتتراجع القدرات المتنافرة عن التصدى للتحديات العالمية.
وقد تفضل وصف الاقتصادى السنغافورى دانى كواه لحال العلاقات الدولية فى عالم «جى ناقص»؛ بمعنى أن ينقص التجمع العالمى الولايات المتحدة، أو أى دولة أخرى لا ترغب فى التعاون بغض النظر عن حجمها الكبير. ووفقًا لتساؤله عن أوضاع البلدان غير المنخرطة مباشرة فى صراعات القوى العظمى: هل عليها الإذعان لإحدى القوى أم اختيار التوافق أم التخفيف؟ ويقترح الاقتصادى كواه أن تلجأ مجموعة الدول المتوافقة الرؤى والأهداف إلى أن تتحرك مجتمعة متلمسة طرقًا فى التعاون المشترك والتفاوض الجماعى. وقد انتقد لجوء الدول الأعضاء فى تجمع «آسيان» للتفاوض الثنائى مع الولايات المتحدة بدلًا من التفاوض معها بصفتها كتلة واحدة، كما حث البلدان الآسيوية، مثل كوريا واليابان، على ألا تضيع الوقت فى تفاوض بلا نتيجة، لتحسين شروط التجارة مع الولايات المتحدة، بأن تقوم بتحويل تجارتها بعيدًا عنها بما يهددها بالعزل ويستحثها على التعاون مع من ظلوا متمسكين بالنظام الدولى، أو بالأحرى فى رأيى بما تبقى من هذا النظام.
فمع سقوط «النظام» الدولى تلوح فرص كبرى للقوى الصاعدة وليس الوسطى فقط التى برزت أولوياتها على الساحة بعد أحاديث اجتماعات دافوس الأخيرة، وتشمل دولًا من حجم كندا والهند، وهما من دول مجموعة العشرين. وفرص القوى الصاعدة بأن تحصّن بدايةً أركان الدولة داخليًا بتمكين مؤسساتها، واحترامها لسلطة القانون، وأن تنضبط سياساتها العامة بتنسيق محكم وفقًا لأولويات تحقق الصالح العام بتوطين التنمية. فلا سبيل لتعاون خارجى مثمر لأى دولة وعقدها الداخلى منفرط أو مهدد بالانفراط؛ وإن هى حاولت لضاع جهدها هباءً، وصار فى انفتاحها الخارجى مفاتح للنهب وسوء الاستغلال.
وعودة لمراجعة ظروف الصراع والحرب بين القوى الكبرى؛ إذ يشير الفيلسوف البريطانى برتراند راسل فى كتابه المنشور فى عام 1951 بعنوان «آمال جديدة لعالم متغير»، إلى أن أشد الصراعات ضراوة نجمت عن واحد أو أكثر من ثلاثة اختلافات: الاختلافات الاقتصادية، أو العرقية، أو الآيديولوجية. وكانت المصالح الاقتصادية هى سبب الصراع المؤدى للحرب العالمية الأولى؛ بينما تشابكت المصالح الاقتصادية والآيديولوجية لتأجيج نيران الحرب العالمية الثانية. أما الحرب العالمية الثالثة، إن اندلعت، فستتورط فيها المصالح الاقتصادية والبواعث العرقية والآيديولوجيات المتعصبة معًا.
كتب راسل هذا بعد ست سنوات فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية منذرًا من حدوث ثالثة. والسؤال حقيقة هو: لماذا لم تقم هذه الحرب رغم توفر مسبباتها، فلم نرَ إلا حربًا «عالمية» باردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي- الذى سقط بلا طلقة رصاص واحدة، ولم نرَ كذلك إلا مناوشات وحروبًا بالوكالة أو حروبًا مناطقية وليست عالمية؟ السبب يتمثل فى تقديرى فى أمرين: الأول، الاكتواء بويلات الحربين العالميتين وما خلفتهما من ضحايا ودمار، ظلت الذاكرة حية بمصائبهما رادعًا ضد الحرب، فكان اللجوء للوسائل السلمية فى تسوية المنازعات وفضها قبل استفحالها. والآخر، هو أسلحة الدمار الشامل، بما فى ذلك النووية، التى تتمترس خلفها القوى العظمى، بما يجعل الحرب الثالثة حرب نهايات بلا بدايات بعدها بأحلام لإعادة البناء.
ومن العجيب أن يصف راسل زمنه فى خمسينات القرن الماضى بأن أكبر عائق أمامه فى سبيل عالمٍ صالح هو الخوف! خوف من الطبيعة الخارجية وويلاتها، وخوف من الآخرين وأفعالهم، وخوف من نزعات البشر الذاتية المؤدية للمهالك. ولا أدرى بما قد يكون وصفه لعالم اليوم. كانت حياة الإنسان البدائى، لأسباب متفهمة قبل عصور العلم والتحضر والتقدم، تستحق الوصف الثلاثى لها بأنها كانت «بائسة، ووحشية، وقصيرة». وما زالت بقاع فى عالمنا اليوم تعانى هذا الثلاثى البغيض بلا مبرر؛ فالعالم ينعم بموارد تفيض عن حاجته لكنه يضل الطريق نحو الرخاء المشترك لسوء الاستغلال والنهب والفساد وتفاوت توزيع الثروات، وبما تقود إليه ما أطلق عليه «سياسة الحمقى واقتصاد السفهاء» بأسوأ ما تسببه الحروب والكوارث الطبيعية.
لمنتظرى الخلاص والمنافع والهبات من نظام دولى تهاوى، عليهم انتظار من لن يأتى أبدًا. وعليهم الاتعاظ بما كان عليه حالهم قبل سقوط النظام المزعوم؛ فهو حال من قنع بالفتات وشظف العيش بآمال فى غدٍ أفضل حالًا أو أقل سوءًا، ومن الآمال ما قاد أصحابها إلى المهالك، وضل بهم عن سبيل التقدم الذى لا أرى له بديلًا.
نقلًا عن الشرق الأوسط