تَسلّم أى وزير للثقافة فى مصر حقيبته لا يشبه تسلم وزارة خدمية تقليدية فهذه الوزارة ليست إدارة لمبانٍ أو قطاعات فقط، بل إدارة لوعى أمة، وذاكرة شعب، وصورة دولة فى الخارج. لذلك فإن الوزير الجديد لا يبدأ من الصفر، بل يبدأ من تراكم طويل من الأزمات المؤجلة والملفات الحساسة التى تحتاج إلى قرارات سريعة ورؤية واضحة فى آنٍ واحد.
وهو ما أتمنى أن تسعى إليه الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، فى مهمتها الجديدة، وتخطو به خطوات إيجابية ناجحة بما تملكه من خبرات محلية وإقليمية ودولية وتاريخ حافل.
1ـ أرشيف السينما: الذاكرة المهددة
جزء معتبر من التراث البصرى المصرى مهدد بالتلف.. آلاف الأشرطة والأفلام والمواد التسجيلية ما زالت بلا رقمنة حقيقية.
هذا الملف أخطر من أى مشروع جديد، لأن فقدان الأرشيف فقدان للهوية.
المطلوب مشروع قومى للرقمنة، بالشراكة مع جهات دولية ومنصات عرض، لإنقاذ التراث وإتاحته للأجيال الجديدة بدلا من بقائه حبيس المخازن.
2- أزمة السينما.. التشريع قبل الدعم
السينما المصرية لا تحتاج دعما ماليا بقدر ما تحتاج إلى بيئة إنتاج، المشكلة الأساسية اليوم ليست فى الموهبة، بل فى التشريعات والإجراءات.
التصوير أصبح أكثر صعوبة داخل مصر من خارجها، والتراخيص طويلة، والرسوم مرتفعة، والبيروقراطية طاردة.
وأرى أن أول ملف عاجل أمام الوزيرة هو: إنشاء مفوضية للتصوير السينمائى، بنظام الشباك الواحد، يختصر الجهات ويمنح التصاريح خلال أيام، لا شهور.
السينما ليست ترفا، بل صناعة اقتصادية وصورة دعائية للدولة.
3- إنقاذ المسرح المصرى من «الحضور الشرفى»
رغم كثرة المهرجانات والعروض الاحتفالية، يعانى المسرح المصرى من غياب الجمهور الحقيقى. المشكلة ليست فى عدد العروض بل فى نوعها، وفى فلسفة الإنتاج نفسها. المسارح التابعة للدولة تعمل بمنطق المواسم والمناسبات، لا بمنطق الاستمرارية. المطلوب ليس زيادة العروض بل إعادة تعريف وظيفة المسرح: كيف يصبح مكانا يوميا للمواطن، لا حدثًا موسميا للنخبة.
4 ـ إعادة هيكلة قصور الثقافة فى المحافظات
أخطر ما يواجه الثقافة المصرية اليوم هو مركزيتها. القاهرة تنتج وتقرر وتعرض، بينما المحافظات تستهلك ـ إن استهلكت. آلاف القصور والبيوت الثقافية تحولت إلى مبانٍ إدارية مغلقة أو أنشطة شكلية. هذا الملف ليس ماليا فقط، بل إدارى: من يدير هذه المواقع؟ وما دورها فى المجتمع؟
المطلوب تحويلها إلى مراكز حياة ثقافية حقيقية: ورش كتابة، نوادى سينما، فرق مسرح محلية، ومساحات للشباب، لا مجرد ندوات بروتوكولية.
5ـ المهرجانات الفنية.. من الكم الى القيمة
تمتلك مصر عددًا كبيرًا من المهرجانات الفنية ، لكن تأثيرها الثقافى الفعلى محدود.
المشكلة ليست فى كثرتها بل فى غياب الفلسفة: هل هى دعم لصناعة وفن أم نشاط علاقات عامة أم سياحة؟
المطلوب إعادة تقييم شامل: دمج بعض المهرجانات، وتخصص أخرى، وربطها بسوق إنتاج حقيقى، بحيث تتحول من احتفالات إلى أدوات قوة ناعمة.
6- الكتاب والنشر: أزمة القارئ قبل الكاتب
ليست المشكلة فى النشر بل فى القراءة.
معرض الكتاب ناجح جماهيريا، لكن بقية العام شبه صامت. الحل يبدأ من المدارس والجامعات: مشروع قومى للقراءة، مكتبات مدرسية مفعلة، ودعم حقيقى للنشر الإلكترونى منخفض التكلفة.
-7 العلاقة الملتبسة مع المبدعين
المناخ الثقافى لا يصنعه التمويل فقط بل الثقة. أكبر أزمة يعانى منها الوسط الفنى هى شعور المبدع بأن المؤسسات الرسمية بعيدة عنه أو لا تعنيه.
الوزيرة الجديدة مطالبة بإعادة بناء هذه العلاقة عبر مجالس استشارية حقيقية من المبدعين، حوار دورى مفتوح، وتخفيف النزعة الرقابية لصالح المسئولية المهنية.
الرهان الحقيقى ليس على تغيير الأشخاص بل على تغيير الفلسفة: هل وزارة الثقافة جهة إنتاج أعمال، أم جهة إدارة سياسات ثقافية للدولة؟
نجاح الوزيرة الجديدة لن يُقاس بعدد الفعاليات، بل بمدى حضور الثقافة فى حياة المواطن اليومية.
فالثقافة لا تُقاس بعدد الندوات، بل بعدد من تغيّر وعيهم بسببها.