لا يمكن النظر إلى ترشيح فيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية للقائمة النهائية لجوائز الأوسكار بوصفه إنجازًا سينمائيًا معزولًا، أو مجرد حضور عربي جديد في أهم محفل سينمائي عالمي.
فالفيلم، منذ لحظة الإعلان عن ترشيحه، يضع السينما في قلب صراع أخلاقي وسياسي مفتوح، ويعيد طرح سؤال قديم متجدد: ما الذي يمكن للفن أن يفعله حين يعجز الخطاب السياسي، وتفشل اللغة التقليدية في توصيف المأساة؟
أولًا: الأهمية الفنية… سينما الصوت بدل الصورة
على المستوى الفني، يواصل «صوت هند رجب» المشروع الجمالي الذي بات يميز سينما كوثر بن هنية، والقائم على تفكيك السرد التقليدي، والاعتماد على الاقتصاد البصري مقابل كثافة شعورية عالية. اختيار الصوت بوصفه العنصر المركزي في الفيلم ليس مجرد حيلة شكلية، بل موقف فني واعٍ؛ فالصوت هنا ليس مكمّلًا للصورة، بل بديلًا عنها، ووسيطًا سرديا قائما بذاته.
الفيلم لا يسعى إلى استعراض المأساة بصريا، ولا يراكم صور العنف، بل يترك للمخيلة أن تقوم بالدور الأصعب. صوت طفلة، نداء استغاثة، صمت متقطع، ارتباك في النبرة… كل ذلك يتحول إلى مادة درامية خالصة. هذه المقاربة تمنح الفيلم قوة استثنائية، لأنها تضع المتلقي في موقع الشاهد القسري، لا المتفرج الآمن.
فنيا، ينتمي «صوت هند رجب» إلى سينما الحد الأدنى (Minimal Cinema)، حيث تُختزل العناصر لصالح تجربة حسية مباشرة، وهو اتجاه بات يحظى بتقدير متزايد داخل لجان الجوائز الكبرى، خصوصا في فئة الأفلام الوثائقية والحدودية بين التسجيلي والدرامي، وهي المنطقة التي تتقن بن هنية العمل داخلها.
ثانيًا: الأهمية السياسية… كسر الرواية السائدة
سياسيا، يمثل ترشيح الفيلم اختراقا نادرا داخل منظومة الأوسكار نفسها، التي طالما وُجهت إليها انتقادات بالتحيز، أو على الأقل بالحذر الشديد تجاه الأفلام التي تتناول الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من زاوية إنسانية غير منضبطة بالرواية الغربية السائدة.
«صوت هند رجب» لا يرفع شعارات، ولا يقدم خطابا أيديولوجيًا مباشرًا، لكنه يفعل ما هو أخطر: يمنح الضحية صوتا فرديا واضحًا. لا أرقام، لا إحصاءات، لا لغة بيانات… بل صوت إنساني مجرد، يطالب بالحياة. هذه الفردنة تُسقط كثيرًا من آليات التبرير السياسي، وتجعل الإنكار أكثر صعوبة.
ترشيح الفيلم، في هذا التوقيت تحديدا، يحمل دلالة سياسية مضاعفة: فهو اعتراف ضمني بأن المأساة لم تعد قابلة للتجاهل، وبأن الفن يستطيع — ولو جزئيًا — أن يفتح ثغرة في جدار الصمت الدولي. كما أنه يعكس تحوّلًا نسبيًا داخل مؤسسات السينما العالمية، التي باتت أكثر حساسية لضغوط الرأي العام، ولحضور الأصوات القادمة من الهامش.
ثالثًا: كوثر بن هنية… مشروع متماسك لا صدفة
لا يمكن فصل ترشيح «صوت هند رجب» عن المسار الكامل لكوثر بن هنية، التي بنت خلال السنوات الماضية مشروعا سينمائيا واضح المعالم، يجمع بين الجرأة الموضوعية، والذكاء الشكلي، والقدرة على مخاطبة جمهور عالمي دون التخلي عن الجذور السياسية والإنسانية للموضوع.
من «الرجل الذي باع ظهره» إلى «أربع بنات»، وصولًا إلى هذا الفيلم، تثبت بن هنية أنها لا تطارد الجوائز بقدر ما تصنع أفلامًا تعرف طريقها إليها. هذا التراكم يمنح فيلمها الجديد أفضلية نسبية داخل سباق الأوسكار، حيث تلعب سمعة المخرج ومصداقيته دورًا غير معلن في خيارات التصويت.
رابعا: فرص التتويج… بين الفن والسياسة
أما عن فرص فوز «صوت هند رجب» بالجائزة، فهي واقعيًا مفتوحة ولكن غير مضمونة. فالأوسكار، رغم انفتاحه النسبي، يظل مؤسسة تتأثر بحسابات معقدة: سياسية، إعلامية، وجيوسياسية. قوة الفيلم قد تكون سلاحه، لكنها أيضا قد تكون عائقا، إذا اعتُبرت رسالته «محرجة» أو «مستفزة» لبعض دوائر التصويت.
في المقابل، يمتلك الفيلم عناصر جذب حقيقية:معالجة فنية مبتكرة.
موضوع إنساني كوني يتجاوز الجغرافيا.
حضور إعلامي واسع سبق الترشيح.
تعاطف نقدي واضح داخل المهرجانات.
وحتى في حال عدم التتويج، فإن وصول الفيلم إلى القائمة النهائية يُعد انتصارًا بحد ذاته، لأنه يرسّخ سابقة، ويؤكد أن السينما العربية — حين تكون صادقة وجريئة — قادرة على فرض حضورها داخل أكثر المنصات انغلاقًا.
«صوت هند رجب» ليس مجرد فيلم مرشح للأوسكار، بل وثيقة فنية وأخلاقية، تذكر العالم بأن خلف العناوين الكبرى أصواتًا صغيرة، قد لا تملك سوى أن تُسمَع.
ترشيحه يضع السينما في اختبار جديد: هل تكتفي بدور الشاهد، أم تجرؤ على الانحياز للإنسان؟
في الحالتين، يكون الفيلم قد حقق هدفه الأهم: أن يجعل الصمت مستحيلًا.