النتائج الاقتصادية لحرب بلا استراتيجية - محمود محي الدين - بوابة الشروق
الخميس 12 مارس 2026 7:44 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

النتائج الاقتصادية لحرب بلا استراتيجية

نشر فى : الأربعاء 11 مارس 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 مارس 2026 - 6:55 م

شرعتُ فى كتابة هذا المقال وشاشات أسواق المال مغطاة باللون الأحمر انخفاضًا، وما كدت أنتهى منه حتى تبدَّلت مؤشراتها إلى اللون الأخضر ارتفاعًا، وإن لم تعوض خسائر أيام الحرب وتداعياتها الفورية. أما ما بدَّل حالها فهو تنويه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن أن الحرب قد توشك على بلوغ نهايتها، فانخفض سعر النفط إلى ما دون 90 دولارًا للبرميل، بعدما لامس سعر 120 دولارًا للبرميل، وسط تخوفات من أن امتداد الحرب سيجعل البرميل متجاوزًا سعر 147 دولارًا الذى وصل إليه عام 2008. ولا يدرى أحد كيف سيكون لون شاشات الأسواق عند قراءة هذا المقال، هل بحمرة الهلع أم باخضرار لبدء رحلة تعويض ما مُنيت به من خسائر؟ الوحيد الذى يمكنه إيقاف الحرب فى أى لحظة هو الرئيس ترامب، وبغض النظر عن نتائجها فلديه القدرة على الترويج لما سيعتبره انتصارًا مؤزرًا.
ولا شك فى أن وعود الرئيس ترامب لأنصاره عامل مهم هنا: فهو الساعى لنيل جائزة نوبل للسلام، وهو الذى نسب لنفسه نجاحات فى منع وإيقاف حروب عدة حول العالم، فإذا به ينخرط فى حرب لا يزيد عدد مؤيديها فى بلاده على 27 فى المائة، وفقًا لاستطلاع أجرته «رويترز»، وتصفها مجلة «الإيكونوميست» البريطانية بأنها «حرب بلا استراتيجية».
فقد تشابهت على المتابعين أهدافها: بين تقويض فرص إيران فى تطوير قدراتها النووية العسكرية، والقضاء على أسطولها وأسلحتها الباليستية، وإسقاط نظام الحكم فى طهران، وتصفية رأس نظامه؛ من دون اكتراث لما سيكون عليه رد الفعل للعمليات العسكرية، وتأثير الحرب على من ليس له فى افتعالها ذنب أو مأرب، أو ما سيكون عليه اليوم التالى لنهاية الحرب. كما أن الرئيس ترامب أعلن رغبته فى تخفيض قيمة الدولار لتيسير التصدير، وتحجيم الاستيراد، وزيادة التنافسية، فإذا به يرتفع على غير هواه، ويتم اللجوء إليه كملاذ آمن فى الأجل القصير.
كما أنه ندد مرارًا بعجز البنك الفيدرالى عن تخفيض أسعار الفائدة، لتشجيع المستثمرين، ودفع طلب المستهلكين، وإنعاش القطاع العقارى، فإذا به ينشئ وضعًا صعبًا لتخفيضها لزيادة الأسعار تأثرًا بارتفاع تكلفة الطاقة كوقود، وكمدخل حيوى فى المنتجات المصنعة، فضلًا عن تأثيرها السلبى على أسعار الأسمدة والغذاء ونقله.
كما أن تغيُّرات أسعار الوقود وتقلباتها تستدعى أشباح البطالة والركود؛ فى وضع تستاء منه البنوك المركزية، وهو «الركود التضخمى» الذى يخفض مرونتها فى توجيه السياسة النقدية، أتقيِّدها كبحًا للتضخم أم تيسِّرها إنقاذًا لسوق العمل الهشة، ودفعًا للنمو المهدد بالتراجع؟ وإن كنت أرجِّح أن البنك الفيدرالى سيترقب الموقف لفترة تسمح له بتقدير أفضل للأثر النهائى قبل اتخاذ قرار.
ويترتب على ذلك عزوف المستثمرين عن الاستثمار فى الأصول المالية الأمريكية التى أمست مستلزمة تحوطًا أكبر ضد مخاطرها. هذا كله يحدث للاقتصاد الأمريكى، رغم أنه مُصدر صافٍ للغاز الطبيعى منذ 2017 وللنفط منذ 2020. لكن ظروف الحرب سترفع تكاليف الأمن ومخصصاته فى الموازنة، وتتراجع الإيرادات لتراجع نمو اقتصاد يهدده الركود، ليزداد عجزها على نسبة 6 فى المائة من الناتج المحلى، فترتفع ديونها لتقترب من 40 تريليون دولار، أى نحو 125 فى المائة من الناتج.
أما الاقتصادات الأوروبية والآسيوية فستواجه تحديات بارتفاع الأسعار، وانخفاض الكميات المصدرة إليها من النفط والغاز، وهى أكثر انكشافًا وتعرضًا لتقلبات أسعار الطاقة مقارنة بالولايات المتحدة، مع خطر تراجع الكميات. ويعتمد تأثر معدلات التضخم على ثلاثة عوامل: سرعة ارتفاع الأسعار، ومدى ارتفاعها، ومدة بقائها مرتفعة. كما يهدد تراجع المعروض من الطاقة معدلات النمو انخفاضًا. وستتأثر الصين التى تستورد ما يزيد على 70 فى المائة من استهلاكها من النفط، لكن لديها من الاحتياطى ما يقيها، مع إمكانية زيادة وارداتها من الطاقة من روسيا، وكذلك ستفعل الهند كما فعلت من قبل. ومن المقدر أن يزيد معدل التضخم العالمى بمقدار نصف نقطة مئوية تقريبًا لكل 10 فى المائة من الزيادة فى سعر النفط، مع تراجع فى النمو والتشغيل.
تبرز فى هذا قدرة ومدى تأثير اقتصادات دول الخليج العربية. فقد ضل تحليل من قالوا بأن الأثر العالمى لما حاقت بها من أضرار محدود، باعتبار أن نسبة الاقتصاد الخليجى لا تتجاوز 2 فى المائة من الناتج المحلى العالمى، فإذا باضطرابات الاقتصادات والأسواق حول العالم إثر العدوان الإيرانى على بلدان الخليج، تظهر قصور تقدير هؤلاء باختزالهم للواقع فى نسبة لا تعبر عن امتداد تأثير اقتصادات الخليج. فقد أصبح الاقتصاد الخليجى أكثر تنوعًا وأكبر انخراطًا فى قنوات الاقتصاد العالمى، تجارة واستثمارًا وتمويلًا، وتطورت فيه مراكز البيانات.
كما أنه رقم صعب فى حركة النقل واللوجيستيات والسفر والسياحة، واستقطاب العمالة الدولية، فضلًا عن أنه مصدر حيوى للطاقة نفطًا وغازًا، ومنتج مهم لمدخلات صناعية كالألمنيوم والصلب والبتروكيماويات، ومستلزمات زراعية كالأسمدة، كما تمر به تجارة الذهب والفضة. ومن المخجل أنه فى لحظات فارقة تستلزم التضامن بين البلدان العربية المضارة من الحرب، تظهر دعاوى متهافتة تتبنى شعارات انتهازية، من نوع أن «مصائب قوم عند قوم فوائد»، متجاهلة أو جاهلة بأننا «قوم واحد»، فإما أن نَسلم من الشر جميعًا، وإما سنضار تباعًا.

التعليقات