طبقتها العُليا الظاهرة تكون منطلقة فى توجه مُعين قد يبدو بسيطًا أو هادئًا أو ساذجًا، بينما الطبقة السُفلى تتسم بالعمق والرؤية النقدية المتأملة. من هذه الأفلام كانَ الفيلم المصرى الشهير، عنتر ولبلب أو شمشون ولبلب، والذى يمكن أن تجده فى قوائم الأفلام السياسية الساخرة فى تاريخ السينما المصرية. أُطلق فيلم عنتر ولبلب فى إبريل 1952 بعد حريق القاهرة (يناير 1952) بشهور، وقبل ثورة الضباط الأحرار على النظام الملكى بمصر (يوليو 1952) أيضًا بثلاثة أشهر تقريبًا. فى هذه الفترة، بدأ الشعب فى التعرف على عيوب السلطة السياسية والانتفاض عليها. وقد استطاع هذا الفيلم فى إطار فُكاهى مغامراتى أنْ يجسِّدَ مجموعة من المفاهيم السياسية. لن يسعفنى الوقت أو مساحة المقال لكى أستفيض فى شرح فكرة الفيلم وأحداثه، ولهذا أطلب من القارئ أن يشاهده ويتمتع ببضع ساعات من المُتعة الخالصة، ثمَّ يطالع قراءتى السياسية والفلسفية المبسطة له.
• القوة الصلبة فى مواجهة القوة الناعمة:
بسهولة بإمكان مشاهد الفيلم أن يتعرف على القوة الصلبة فى شخصية عنتر (سراج منير)، الذى كانَ قويًّا من الناحية الجسدية ومن ناحية المال وأخيرًا من ناحية الصلات بالسلطة السياسية. وهكذا فعنتر يحقق شروط هذا النوع من القوَّة الصلبة سواء الجانب العسكرى أو الجانب السياسى أو الجانب الاقتصادي. على الجانب الآخر، فالقوة الناعمة والتى تعنى أن تجعل شخصًا يرغب فيما ترغب فيه من خلال الإقناع بالقيم والثقافة إلى آخرِهِ، فقد وجدَتْ صداها فى لبلب (شكوكو) الذى لم يكن يمتلك جسدًا متينًا ولا جاهًا ولا ثروة، ومع ذلك تحلَّى بالذكاء والقدرة على الإقناع والأهم: الحيلة. من خلال الفيلم، نجدُ أنَّ القوَّة الصلبة فى أحيان كثيرة بدون دهاء القوة الناعمة، لا تكون كافيةً لتحقيق الانتصار الماحق. وهذا توضَّحَ فى عجز عنتر -رغمَ موارده الصلبة الفتَّاكة- فى التغلب على لبلب الذى كانَ لا يعادله فحولة أو ثروة أو جاهًا، لكن فاقه فقط فى جانب وحيد كانَ هو القالب للموازين: الذكاء والحيلة والقدرة على الإقناع. طيلة الفيلم، لم يستطع عنتر بكل عنفوانه الصلب أن يحظى بحب ودعم أهل الحارة (الشعب)، بينما تمكن لبلب من ذلك بسهولة لقيمِهِ البارزة وقدرته على الإقناع العقلي. فى هذا الجزء أيضًا، يمكن الاستعانة بمَا رصده العلَّامة عبدالرحمن بن خلدون فى مقدمة كتابه الأشهر «العبر»، من أسباب الانتصار فى المعارك. حدثَّنَا أنَّ القوَّة العددية ليست وحدها المعيار فى تحقيق الانتصار، بل هنالك الأسباب الخفية للانتصار، والتى بقراءتها نعرف أنها تكمُنُ فى المكر والدهاء والحيلة. وهذا ما تحقق بالضبط فى حالة فوز لبلب لرهان «صفع عنتر سبع صفعات خلال سبعة أيام» بالحيلة والمكر وليس بغيرهما.
• آليات حركات التحرر الوطنى:
إذا كانَ بالإمكان اعتبار عنتر ممثلًا للاحتلال البريطانى فى مصر، فلبلب هو حركة التحرر الوطنى. والحق أنَّ الفيلم قد ضربَ لنَا مثلًا فى آليات عمل حركات التحرر الوطنى. إنَّ هذه الحركات الفدائية ليست انتحارية بلا غاية وبدون حسابات. على العكس، إنَّها مضرب للحكمة والرُشد. هذه الحركات تدرك جيدًا أنَّها ليست بذات الطاقة العسكرية والاقتصادية والسياسية للمُحتل، وتعى لأنَّ أنشطتها لن تؤدى للانتهاء التام لهذا الاحتلال. ولهذا، فهم يتبعون سبيلًا آخر أكثر مكرًا، وهو استنزاف العدو، أو ما يسمونه «رفع تكلفة وجود العدو فى المستعمرة أو الأراضى المُحتلة». وهذا يحدث عادةً من خلال بث الرعب فى أنفس هؤلاء المحتلين بقتل أعداد بسيطة منهم أو تحطيم أسلحتهم بشكل متتالٍ وفجائى فى كل هجمة، وهذه أمور تضيف عبئًا وضغطًا على هذا المُحتل لترك البلاد. هذا خصوصًا وأنَّ المستعمر الأوروبى رأسمالى يحسب كل شىء بالمكسب والخسارة. هكذا سارَ الحال مع حركات التحرر الوطنى فى جميع المستعمرات الأوروبية فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا وقد حققت مرادها.
استعرض الفيلم هذه الفكرة مع لبلب الذى كانَ على دراية بحجمِهِ الصغير ولم يكن يرغب فى قتل عنتر. لقد أراد أن يجعله يخسر وجاهته «prestige» أمام أهل الحارة، والذى يمكن أن يجبره على تغيير سلوكه جهتهم. من خلال الصفعات التى استطاعَ أن يصوِّبها بنجاح له، فقد أفقد عنتر احترامه وهيبته فى قلوب الشعب، وبالتالى رفع ــ بهذه الحركات البسيطة ــ من تكلفة وجوده فى هذه الحارة. بالإضافة إلى ذلك، فيمكن إدراك مغزَى الفيلم من جعل جميع أهل الحارة يدعمون لبلب فى مساعيه الكفاحية، لا سيَّما فُلَّة التى كانَتْ الجائزة الكُبرى لعنتر، وهكذا فهى ترمز لثروات البلاد المنهوبة، ما عدَا والد فُلَّة الذى كانَ يصطف إلى جانب عنتر. هذه كانَـتْ كناية عن الحُكومة الموالية للمُستعمر والتى كانت تؤيده فى اغتصابه للبلادِ طالما تنتفع منه. ولا يمكن فى هذا الشأن نسيان الجملة الشهيرة التى صاحَ بها لبلب حينما عرف بزيف مُعاهدة السلام التى طالب بها عنتر وأنها ليست سوى مؤامرة لقتلِهِ وإنهاء الرهان: «الجلاء، لن نتوقف إلا مع الجلاء».
• كيفية التعامل مع المستبد:
إذا كانَ من الممكن النظر إلى عنتر أنُّهُ رمز للمُستبدّ الذى يستغل جاهه وسلطانه لنزف خيرات البلاد بالجور والظُلم والطُغيان، فقد أبدَى الفيلم الوسيلة المُثلى لمقاومة هذا المُستبد. لقد أدركَ لبلب أنُّهُ أضعف من عنتر على الأصعدة كافة، وأنَّ أى مواجهة مباشرة بينهما ستؤدى إلى حتفِهِ المحقق. ومن ثمَّ، فقد قرر أنَّ المنهج الوحيد الذى يمكنه اتباعه للانتصار والفوز فى هذا الرهان ــ الذى يرمز للعبة الحاكم والمحكوم ــ بينهما هو: هزَّ أركان سلطة هذا المستبد، وتمزيق السردية التى يقوم عليها حُكمه. فى الفيلم، كانَتْ السردية التى أعطَتْ عنتر الشرعية بين أهل الحارة لكى يستبد بهم، هو أنُّهُ الأقوَى والأغنَى والأكثر جاهًا، وأنَّ أحدًا لا يستطيع أنْ يصفعه على وجهِهِ. هكذا كانَتْ غاية لبلب للانتصار على هذا المستبد، هى تحطيم هذا «التابوه» وهذا الانطباع من خلال تسديد هذه الصفعات الواحدة تلو الأخرى بعدَ حيل تنمُّ عن الذكاء الشديد.
ويمكن فى هذه النقطة تذكُّر سلوك سقراط أيضًا فى مواجهته للنظام الديمقراطى الذى كانَ يسودُ دولة ــ المدينة الأثينية: اصطحاب طلابه إلى الأسواق حيث يرونه وهو يخاطب الباعة والمُشاة ويسأل عن آرائهم السياسية، فلما يجيبه هؤلاء الناس إجابات بلهاء، ينظر لطلابه ضاحكًا. نمَا لعلم السلطة الحاكمة آنذاك ما يفعل، فبِمَ اتهموه؟ أنه يفسد العقول ويشكل خطرًا على النظام السياسى الأثينى. الحق أنُّهُ كانَ بالفعل خطرًا آنذاك على السلطة لأنه كانَ يهدد بنسفها بشىء بسيط للغاية: السخرية، والاستهزاء. لقد أرادَ أن يثبتَ أنَّ عقول الناس ليست متساوية، وبذلك فلا يمكن للنظام الديمقراطى ــ الذى يعطى كل الأشخاص أصوات متساوية ــ أن يكون مستقيمًا ونظامًا مثاليًا للحُكم. وكمَا تعلمون، حُكم عليه بالإعدام، ولم يستطع أحد إنقاذه. وهذا يجعلنَا نلتفت إلى أهمية السخرية السياسية وخطورتها فى الآن ذاته. وقد بيَّنَ الفيلم بالفعل أنَّ الوسيلة الفعَّالة لهدم النظام الاستبدادى ليس بالمواجهة المباشرة، وإنما بالحيلة، وبتحطيم السردية القائم عليها.
فى الواقع إنَّ هذه كانَتْ قراءتى المُبسَّطَة للفيلم، بعدمَا صرتُ أؤمن أنَّ كل عمل إبداعى يصنعه العقل البشرى (فيلم/ رواية/ قصة/ موسيقى/ شعر/ منحوتة..) تسير وفق لأيديولوجية أو على الأقل لفكر معين. قد يبدو الفيلم من الوهلة الأولى شبيهًا للمعارك الضاحكة بين توم وجيرى التى اشتهرت بها شركة «جولدن ماير»، ــ والتى أؤمن أنها تنطوى أيضًا على فكر سياسى مُهم ــ. إلا أنَّ القراءة المتأنية لمشاهده المختلفة، والنظرات والإيماءات، بل وأسماء واجهات المحال فى الحارة، فيمكن استخراج مفاهيم سياسية كان من المنطقى وجودها فى المشهد المصرى الذى كانَ يغلى آنذاك (احتلال بريطانى، ظهور دولة إسرائيل وهزيمة عربية نتيجة لأسلحة فاسدة مجهولة المصدر، حريق القاهرة.. إلخ). الأمر يذكرنى بكتاب «كليلة ودَمنة»، والذى يبدو للوهلة الأولى مجرد قَصص على لسان ابنى آوَى، ولكن بقراءة المشهد السياسى آنذاك وسيرة ابن المقفع وعلاقته بالخليفة العباسى أبى جعفر المنصور، فسينفتح الكتاب أمام أعيننا على مفاهيم وأفكار سياسية شديدة العمق والحكمة.