- كنت هناك بين عصرين.. عصر المهانة وعصر المهابة
ذهب ظنى إلى أن رجلًا فى مثل عمرى لا يدخل التفكير فى الماضى ضمن جملة اهتماماته اليومية والعادية. ظن قوى يسنده العلم ويؤكده الطب. ما يهمنا، أقصد جماعة كبار السن، ويحتل الأولوية فى اهتماماتنا، هو الحاضر بما يعنيه وبما يقدمه لنا من ثقة وساحة لعواطف هادئة، وبما يقدر على استعارته من الماضى عن طريق ذكريات منتقاة بعناية ولغرض ولوقت محددين.
أعتقد عن حق واقتناع أن الماضى إن تركوه لنا حرًا ومتاحًا بلا تمييز وبدون آليات اختيار أو انتقاء فى الزمن وفى الموضوع لضاع منا الحاضر أو لضعنا نحن فيه. هذه الآليات يوفرها التقدم المنتظم فى العمر مع قدر مناسب من موفور الصحة. أحيانا أشغل نفسى بالاستغراق فى تصور حال إنسان غيرى متقدم جدًا فى العمر. أتصوره وقد انفتح أمامه الماضى كله فى آن، إنفتح على سنوات طفولته وسنوات مراهقته وسنوات شبابه ومختلف تجارب علاقاته وعديد مراحل الإنجاز والفشل فى حياته. أراه يفرح أو يحزن ويندب حظه وفى النهاية يستخلص عبرا. أغلب هذه العبر لا يفيد ولا يعنى شيئا فى حسابات حياته الحاضرة أو فى حسابات الفترة المتبقية له فى الحياة.
مع ذلك فإن الإنسان الذى يعنينى وقد بلغ من العمر ما بلغ وهو كثير، لن يتوقف عن نبش الماضى وإن هدأت بالفعل، مع الوقت، مرات هذا النبش. ينبش لأن نسمة تنتمى لعاطفة بعينها هفت، هفت فإذا بكل ما كانت هذه العاطفة تعنى له يعود عليه فى شكل وقوة عاصفة. النسمة التى هفت للحظة تحولت «بنبشة» فى الماضى إلى عاصفة ذكريات ومشاعر وأحاسيس وتقلبات فى المزاج منتهية فى الغالب بموجة سعادة فائقة.
• • •
أذكر بالتفصيل ما حدث مساء الأمس. رن هاتف استجابت له ابنتى الأصغر وكانت تزورنى كما تفعل كل مساء. رأيت على وجهها، وهى تنصت إلى المتحدث، علامات ابتهاج بالغ. انتهت من المكالمة لتبلغنى أن الجهود لدى البيروقراطية، وكانت هائلة بكل المعنى، نجحت وأصبح لشقيقها الذى يكبرها بخمسة عشر عاما شهادة ميلاد مصرية موثقة. نسمة هفت وعاصفة هبت. قضيت معظم الليل ونهار اليوم أستعير من الماضى تفاصيل بعينها ، قضيتهما أستذكر ما سبق وتفضل به الماضى من ذكريات فى مناسبات أخرى تكرم بالكشف عنها دون سؤال منى أو تطفل. ما أحلاها الهدايا التى كنت أستيقظ فأجدها، دون طلب أو توقع، تشاركنى وسادتى، وما أعذبها كلمة حب سمعتها دون انتظار.
عشت بالذاكرة لساعات فى أجواء وصولنا لمطار بكين قبل حوالى سبعة وستين عاما. وصلنا بعد رحلة بدأت فى مطار كانتون دامت ساعات عديدة قضينا أقلها فى طائرة بمحركين وأكثرها فى مطارات محلية نتزود بالوقود والتفاح لزوم إطعامنا. وصلنا منهكين والإنهاك باد على زوجتى ليبلغنا طبيب الفندق أنها حامل، ولنبدأ على الفور رحلة شهور حمل شاقة ألزمتنا قلة الحركة.
• • •
قضيت ليلة الأمس، فى بيتى بالشيخ زايد بحى أكتوبر بضواحى القاهرة، أنبش فى أحداث تلك الأيام. تذكرت، بالنبش طبعا، فرحتى، فرحة شاب بسيط بخبر حمل زوجته. وتذكرت فى النفس ذاته ضميرا طاله تأنيب ذاتى قوى لأنه سمح لزوجته، وهى دون العشرين وحامل، بالتبضع والتنزه فى قوارب وشوارع وأزقة بانجكوك، عاصمة تايلاند، ثم التبضع مرة أخرى وبتوسع أشد ولأيام أكثر فى مدينة هونج كونج. كنا ننفذ نصائح من كانوا على علم أكيد بأحوال بكين وبخاصة صقيع شتائها وجدب أسواقها وكانوا، كما كنا، على جهل مطبق بحمل زوجتى وقد جاء مبكرًا.
وبالنبش أيضا فى الماضى المحيط بظروف سبقت مولد إبنى أو جاءت بعده، اجتمعت الأدلة على أننا، زوجتى وأنا، عوملنا فى الصين كعائلة معاملة متميزة بالمقارنة بزملاء المهنة فى مختلف السفارات المعتمدة فى الصين. والأدلة هى كالآتى: (أ) خصصت الحكومة الصينية لنا شقة فى العمارات الدبلوماسية تتسع لعائلة أكبر وحصلنا على أولوية فى التخصيص. (ب) فور دخولنا الشقة لأول مرة فوجئنا بمندوب أكبر محل لبيع الأثاث يزورنا ليبلغنا بأنه كلف من وزارة الخارجية بتسهيل عملية تأثيث الشقة بأسعار مناسبة وبالتجاوز عن قائمة الانتظار، وهى قائمة مطولة باعتبار أن الأثاث وقتها يجرى استيراده من الاتحاد السوفييتى. (ج) زارنا فى المنزل رجل صينى متقدم فى العمر وحليق الرأس قدم نفسه بأنه طباخ كلفته وزارة الخارجية بالعمل لدينا ومراعاة أن سيدة البيت حامل وفى حاجة لرعاية خاصة. عاشت زوجتى بقية عمرها تنسب فضل شهرتها فى الطبخ إلى المستر «كان»، وعشت أنسب إليه الفضل فى الاطلاع على جانب مهم من حياة الإقطاعيين الكبار فى الصين قبل الثورة ونمط حياتهم وعلاقاتهم بالقصر الإمبراطورى. (د) حضرت سيدة صينية كلفتها وزارة الخارجية بالعمل فى بيتنا مرافقة لربة البيت لحين الولادة ولتتولى بعدها تربية الطفل. (ه) سيدة أخرى ألحقت بالعمل لدينا متخصصة فى شئون النظافة. (و) بالمقارنة مع العاملين والعاملات فى شقق دبلوماسيين من دول أخرى كانت مرتبات العاملين فى بيتنا أقل من تلك التى تقررها وزارة الخارجية للعاملين فى سفارات أخرى.
وقتها، سألت ذوى الخبرة الأقدم فى العمل بالصين، أجمعوا على أن التقاليد والأعراف الصينية تقرر أن من يولد فى الصين يستحق التكريم جنينا كان قبل الولادة، أم رضيعا، أم وقد صار شابا أو كهلا.
• • •
أعترف أن اليوم كان حافلا بأعمال النبش فى ماض دفعتنى إليها المكالمة إلى ابنتى التى نقلت إليها خبر إصدار شهادة ميلاد مصرية للنجل العزيز المولود فى بكين، شهادة تغنى عن الشهادة الصادرة عن السفارة المصرية فى بكين وهى الشهادة التى احترقت مع كافة مستنداتنا الورقية فى حادث احتراق الطائرة الهندية التى كانت تقلنا، فى نهاية رحلتى الأولى فى الصين، منقولين إلى روما.
عادة لا يطول معى النبش فى ماضى موضوع إلى ما بعد يوم. فى يومنا هذا طال حتى نهاية نهار ومطلع الليل. أطفأنا الأنوار واستعدت ابنتى للعودة إلى بيتها وجمعت حزمة أوراقى وعدتى الإلكترونية وأويت معهما إلى غرفة مكتبى. دقائق وبعدها سمعت الرئيس الأمريكى الحالى يتهم دولة الصين، وقد صارت عظمى فى نظره ومهابة فى نبرة صوته، بتدبير اختراقات تمهد لتزوير الانتخابات التشريعية القادمة فى الولايات المتحدة ويهددها، أفلحت أو فشلت، بعظائم العقوبات.
فورا عدت مرة أخرى أنبش فى الماضى، ماض عشت بعضه وقرأت عن أكثره، ماض معبأ بأبشع صور المهانة، ثم شريكا مع الحاضر فى تسجيل صور لمرحلة عشتها فى بكين، مرحلة شهدت تخلص الصين من زمن المهانة وإطلاق زمن المهابة.
ويستمر نبش الماضى.