الميل الأول واقتصاد الرَّمز البريدى - محمود محي الدين - بوابة الشروق
الأربعاء 29 يوليه 2026 9:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

الميل الأول واقتصاد الرَّمز البريدى

نشر فى : الأربعاء 29 يوليه 2026 - 8:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 يوليه 2026 - 8:10 م

لا يوجد فى بريطانيا أكثر إثارة من مباريات الدورى الإنجليزى إلا ما يجرى فى ساحتها السياسية من أحداث، وقديمًا قال هارولد ويلسون، رئيس الوزراء الأسبق فى الستينيات إنَّ أسبوعًا واحدًا وقت طويل فى السياسة. وقد مرَّ أكثر من أسبوع منذ مقابلة أندى بيرنهام، رئيس الوزراء الجديد للملك تشارلز فى قصر بكنجهام فى 20 يوليو الحالى، ليتحدث بعدها لمنتظريه، الذين استقبلوه بالحفاوة المعتادة بالشاغلين الجدد لمقر الحكم فى 10 داونينج ستريت. وكانت فى انتظار رئيس الحكومة السابع -منذ استقالة ديفيد كاميرون بعد استفتاء «بريكست»، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى- قائمة طويلة من الأولويات لخصها مقال فى مجلة «بروسبيكت» كتبه رافى جورومورثى، الرئيس التنفيذى لمؤسسة «نيستا» الحكومية المتخصصة فى الابتكار، وحل المشكلات الاجتماعية.

شملت القائمة مجالات متنوعة ومتوقعة منها دفع النمو، والاستثمار، وتحفيز المشروعات الرائدة عالية التنافسية، ومساندة الأقل قدرة منها للحاق بالركب، ودعم المهارات، والتعامل مع أزمة تكلفة السكن بالتعاون مع السلطات المحلية، فضلًا عن التعامل مع تحديات الطاقة، والسيادة الرقمية، وضبط الموازنة العامة، وإجراء الإصلاحات الضريبية لتوفير الإيرادات المطلوبة للإنفاق على هذه الأولويات.

وما يلفت النظر هو قول بيرنهام: «سننقل السلطة من مقر الحكم فى ويستمنستر إلى كل (رمز بريدى) لفعل المزيد. وبذلك سنبنى اقتصادًا جديدًا، حيث سنعيد أساسيات الحياة إلى سيطرة عامة أقوى». وهو ما كرره وزير الخزانة الجديد جون هيلى بحديثه الذى تضمن أولويات العمل، بما فى ذلك «النمو فى كل رمز بريدى". ولنطلق على هذا «اقتصاد الرمز البريدى».

وعالميًا، يشير التقرير الصادر هذا الشهر عن الأمم المتحدة لأحدث مستجدات أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر -ومنها الهدف الحادى عشر المعنى بتنمية المدن والمجتمعات- إلى أنَّ هناك عجزًا واضحًا عن ملاحقة آثار تغيرات المناخ، واتساع فجوة البنية الأساسية التقليدية، والتكنولوجية، وعجز السكن، والضغوط المفرطة على مرافق المياه، ومصادر الطاقة، والخدمات العامة الرئيسة، خاصة فيما يتعلق بالتعليم، والرعاية الصحية. ويشير التقرير -مستخدمًا طريقة استعراض البيانات كإشارات المرور- إلى أن خمسة من الأهداف العشرة الفرعية لا بيان عنها، ولا إحصاء لها يغطى التجمعات السكنية حول العالم، بما فى ذلك نظم النقل العامة، والانتقال الحضرى المستدام، والإرث الثقافى، والطبيعى، والمساحات العامة، والحدائق، والمتنزهات، والعمارة، والبنايات المستدامة. وإن كانت هناك إشارات خضراء لتحسن نسبى فى سياسات إدارة الكوارث، والتخطيط العمرانى، ونوعية الهواء، وإدارة المخلفات، ورُصد تحسن أقل فى الخسائر التى يتكبدها البشر ومقوماتهم جراء الكوارث، مع ركود فى الإسكان، والخدمات الأساسية.

واقترحت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، السيدة أمينة محمد، مسارًا من 4 مُعجلات لتحقيق تلك الأهداف المتباطئة، والمكبوحة. يبدأ المسار باعتماد نظام متعدد المستويات للحوكمة يتضمن أولويات المستوى المحلى من البداية، ويسانده المستوى الوطنى من خلال تنسيق السياسات، والدعم المؤسسى، وأن تُدعم العمليات التنفيذية بالتمويل المطلوب استنادًا لإطار تمويل التنمية الذى تم إقراره فى إشبيلية فى يوليو 2025، وأهم مصادر التمويل على الإطلاق كما نعلم هى الموازنات العامة المحلية، والوطنية؛ وأن تُساند هذه الجهود بمشاركة وتنسيق أكبر من المنظمة الأممية؛ وأخيرًا، وهو الأهم، أن يُدرك عمليًا أن أولوية توطين التنمية هى البشر.

وفى كتاب عن التنمية المستدامة وأدوار الحكومات والاستثمارات الخاصة، اشتركت فى تأليفه وصدر عن دار النشر بـ«الغريف ماكميلان»، اتضح بالأدلة حيوية توطين التنمية لتحقيق أهدافها، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الفقر، وإتاحة فرص عمل لائقة، وتوفير الخدمات العامة الرئيسة، خاصة التعليم، والرعاية الصحية، والنظافة، والمواصلات. يأتى ذلك بالاستعانة بمنظومة بيانات محدثة، وحوكمة منضبطة تتعاون فيها السلطة التنفيذية المحلية مع جهات الرقابة عليها ومؤسسات المجتمع المدنى فى تحديد الأولويات، مع تحفيز الحلول، والأفكار العملية، والدفع بالمبادرات، والاستثمارات الخاصة.

وإذا كانت هذه الاقتراحات متطلبة فى تاريخ صدور الطبعة الأولى من الكتاب عام 2023، فإنها اليوم أكثر حرجًا فى الاحتياج إليها، خاصة مع التراجع الحاد غير المسبوق فى منظومة المساعدات الإنمائية الدولية، والضغوط التى تواجهها العديد من الموازنات العامة للدول إثر تفاقم أزمات الديون.

ولقد مكنت المسوح الميدانية وآليات التحول الرقمى وتطبيقاته من التعرف بشكل أكثر دقة على أوضاع المعيشة، وتباينها بين الأفقر والأغنى، وما بينهما من متوسطى الدخل؛ كما يمكن التيقن منه عند فحص حالة قاطنى كل رمز بريدى. فليست أوضاع ساكنى بيفرلى هيلز الأمريكية -برمزها البريدى (90210) الذى كان عنوانًا لمسلسل تلفزيونى شهير فى التسعينات- كأوضاع المناطق الأقل دخلًا فى مينيسوتا، أو الأفقر فى بنسلفانيا. وليست الخدمات الصحية فى ويستمنستر الراقية فى لندن كحال ما اشتكت منه سيدة مسنة تسكن خارجها قالت فى حوار مع برنامج «صباح الخير يا بريطانيا» أن عليها أن تنتظر موعد معمل تحليل الدم لثلاثة شهور، وأسابيع أخرى حتى يصدر تقرير المعمل. فما هو حال من يعيشون فى بلدان نامية أقل دخلًا من بريطانيا، ويعد فيها الرمز البريدى مستحدثًا، وغير مألوف، إلا فى أحياء ومدن بعينها أكثر رفاهًا وحظًا.

إنه إذن الميل الأول، حيث تتم الأفعال، ويعرف عموم الناس أولوياتهم، بما يلزمه ذلك من أن يُمكنوا من مقدراتهم بتوطين التنمية ابتداءً، وليس الميل الأخير، حيث تكثر عنه أحاديث تتعهد فيها جهات محلية ودولية بإيصال عوائد التنمية وممكناتها إليهم، وقليلًا ما تفعل.

 

نقلًا عن إندبندنت عربية

التعليقات