معادلة الاتزان الإقليمى.. إيران طرف مزدوج - إيريني سعيد - بوابة الشروق
الخميس 12 مارس 2026 7:45 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

معادلة الاتزان الإقليمى.. إيران طرف مزدوج

نشر فى : الأربعاء 11 مارس 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 11 مارس 2026 - 7:00 م

تتجدد القناعات وأطر التفكير حول كيفية إعادة التوازنات الإقليمية إلى طبيعتها، مع تجدد الصراعات بين إيران من جانب، والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلى من جانب آخر، على خلفية ارتدادات وتداعيات الحرب الدائرة فى المنطقة وإقليمها. وبينما تبرز طهران فى مقدمة محفزات غياب الاستقرار، ومعه توازنات المنطقة بنسبة معتبرة -حتى قبيل اندلاع الاحتكاكات بينها وبين واشنطن- وفى ضوء محاولاتها الاستقواء على جاراتها، أو حتى مساعيها لتوظيف الفوضى والدفع بأوراق استراتيجية طالما عُدَّت نقاط ضغط على الدول العربية أكثر من الغرب وإسرائيل، وبما أسهم فى تهديد استقرار النظم السياسية المستقرة، فإن طهران بحاجة ملحّة إلى محاولات الإفلات من الحرب الدائرة، خاصة مع احتمالات تطويقها فعليًا من قبل القوة الإمبريالية والعسكرية الأهم عالميًا، بمعاونة حليفتها.
وفى ظل تلاحم ارتدادات الصراع الدائر بين طهران وواشنطن على المنطقة والإقليم، يبدو المشهد معقدًا؛ إذ ما تزال الطفرة النوعية على المستويين السياسى والعسكرى بعيدة عن الجزم باتجاهات المشهد، أو بمعنى أدق حسم الموقف. كما أن القدرات العسكرية والتكنولوجية، ومستوى الدفاعات وطبيعة الهجمات، ما تزال تصب فى صالح واشنطن ومعها الكيان الإسرائيلى، على خلفية بروز الأسلحة المتطورة والمُيسَّرات المستحدثة، فضلًا عن بروز الذكاء الاصطناعى -وبحسب مراكز الفكر الإنجليزية - كسلاح جرى استخدامه بشكل عملياتى، متجاوزًا مجرد كونه أداة لفحص وتحليل البيانات. وهو ما يدفع بالمخاوف من احتمالات تشكيل نظام إقليمى قد يفتقر إلى توازنات استراتيجية أو معادلة يصعب معها الحفاظ على بقاء الأطراف العربية ضمن الفاعلين، بعيدًا عن المخططات التكتيكية أو المرحلية، وفى ظل استمرار سلوكيات الاحتلال ومحاولاته الانفراد بتشكيل وصياغة المعادلة الإقليمية بمعزل عن الفواعل الإقليميين والعرب.
• • •
هنا تبرز إيران كطرف أصيل فى المعادلة الإقليمية، لكنه طرف مزدوج أيضًا؛ إذ يصعب غيابه حفاظًا على التوازن الإقليمى وعوامل الاستقرار، وفى الوقت نفسه فإن بقاءه على هذا النحو من السلوكيات والاستباحة لجيرانه يُعد من مهددات المنطقة، بالتوازى مع ممارسات الاحتلال. وربما ما ضاعف من الاتهامات الموجهة لسلوكيات طهران هو انتهاجها الهجمات ضد الدول العربية، مرتئيةً فى ذلك ورقة ضغط يسهل الدفع بها.
غير أن سياسات الخليج، التى بدت على قدر من المسئولية السياسية، ينبغى أن يتبعها عدد من العوامل الكفيلة بالمساهمة فى ضبط هذه السلوكيات؛ أهمها البحث عن بدائل لمسارات النفط، مع التركيز على تطوير البنية التحتية واللوجستية لهذه البدائل، حتى وإن كانت منخفضة السعة اليومية، بما قد يسهم فى التخفيف من تأخير سلاسل الإمداد والحد منه.
كذلك تبرز أهمية الإدارة الاستراتيجية للأصول العسكرية والترسانات الهائلة من الأسلحة التى يمتلكها الخليج، من أجل إعادة تعريف القيم الأهم فى هذه المرحلة الحساسة من عمر الإقليم، وفى مقدمتها مفهوم القوة وكيفية تحويلها إلى ما يُعرف بالقدرة. فامتلاك عناصر القوة لا يعنى بالضرورة توفر المفهوم ومضامينه، إلا أن إجادة استخدام هذه العناصر وتحقيق الاستفادة القصوى منها هو ما يمنح الدول القدرة الحقيقية على تأمين أوضاعها وحدودها.
الأهم هو الاستمرارية فى الرشادة السياسية، من أجل معاونة القاهرة والعقلاء للدفع بالأطراف كافة نحو طاولة المفاوضات، احتواءً للتصعيد.
• • •
وفى ضوء ما أراده الرئيس الأمريكى، والذى يبتعد بشكل نسبى عن الواقع الميدانى، يبدو أن دونالد ترامب استهدف عملية عسكرية مركزة تسعى إلى تعجيز إيران وبرامجها. وتختلف هذه العملية فى نوعيتها ومستهدفاتها، والأهم فى طبيعتها، عن مقاربات الحروب السابقة والقريبة، سواء هجمات منتصف 2024 أو ما جرى فى يونيو 2025.
غير أن طبيعة الحرب الدائرة قد تتجه نحو ما يُعرف بحرب الاستنزاف طويلة الأمد، كونها ضمن الاستراتيجيات الإيرانية، أو بالأحرى العقيدة العسكرية لدى النظام الثورى الإسلامى. وكان من الممكن أن يبقى الرئيس الأمريكى إيران عند مساحة معينة من الضغط المحكم، عبر ضربات مدروسة تستهدف إحكام السيطرة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
لكن العامل الإسرائيلى يطل فى مقدمة المحفزات لترامب وإقدامه على هذه الخطوة غير المحسوبة التداعيات، على خلفية تماسك إيرانى ما يزال متصدرًا المشهد. ويمكن فهم هذا التماسك فى إطارين: الأول يتعلق بطبيعة النظام الإيرانى المعقد والمركب، وانتهاجه ما يُعرف بالنظام الفسيفسائى أو التعاطى اللا مركزى. أما الإطار الآخر فيتعلق بالوعى الجمعى الإيرانى؛ فحتى مع اختلاف القوميات، تظل هناك قناعة راسخة مفادها الاصطفاف والتماسك حتى عبور الأزمة.
بالرغم من رهان واشنطن على المعارضة الإيرانية وتشكيلاتها، فإنها ما تزال بعيدة عن الاتحاد، سواء بين الإصلاحيين أو أنصار نظام الشاه، أو الأحزاب السياسية الضعيفة والمشتتة، التى سيطر عليها نظام خامنئى إلى حد كبير.
• • •
مع ذلك، تبرز بعض مؤشرات التطورات التى قد تصب فى صالح إيران، فى ضوء الاستقواء الغربى -سواء من قبل واشنطن أو حلف شمال الأطلسى - على الجمهورية الإسلامية، أو محاولات ترامب الاستعانة بالأكراد والتنسيق معهم، وهو ما قد يؤشر على قدرة إيرانية على امتصاص الأزمة ومحاولة الصمود.
بعيدًا عن الدوافع التقليدية والمتعارف عليها فى طبيعة الاحتكاكات بين الجانبين الأمريكى والإيرانى، سواء البرامج الباليستية أو النووية الإيرانية، أو حتى مسألة إزاحة نظام المرشد، تتركز مجموعة من الدوافع التكتيكية أو المرحلية، أهمها رغبة ترامب فى المزايدة على سابقيه من الرؤساء الأمريكيين، الذين أخفقوا طويلًا فى ضبط السلوك الإيرانى فى المنطقة وانعكاساته، سواء على الحليف الأهم إسرائيل أو حتى على مصالح الدولة الإمبريالية فى الإقليم.
والدليل أن الأوراق الاستراتيجية لدى إيران ما تزال ضاغطة تجاه التحكم فى عدد من القطاعات الاقتصادية والأمنية فى المنطقة، فضلًا عن التصدع الإقليمى العربى على خلفية التصادمات بين طهران والخليج. والحقيقة أن مثل هذه السلوكيات لم تكن مستبعدة عن إيران، فى ضوء مجموعة من الأبعاد التاريخية التى حكمت العلاقة بين إيران والخليج العربى، والتى سيطرت عليها الصراعات إلى حد كبير، سواء الأيديولوجية أو الحدودية أو الاقتصادية، كما تم إيضاحه أعلاه.

إيريني سعيد كاتبة صحفية وباحثة أكاديمية فى العلوم السياسية
التعليقات