حينما امتثل المسار الانتخابى للقرار السيادى - إيريني سعيد - بوابة الشروق
الخميس 8 يناير 2026 2:03 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

حينما امتثل المسار الانتخابى للقرار السيادى

نشر فى : الثلاثاء 16 ديسمبر 2025 - 6:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 ديسمبر 2025 - 6:45 م

يصعب تجاوز هذه النوعية من الانتخابات التشريعية، والتى تعاصرها مصر فى هذا التوقيت، سيما مع حجم التعقيد الذى برز جيدًا فى إعادتها، ربما فيما يقارب الـ 70% من الدوائر، ما تطلب جهودًا اضطلعت بها معظم أجهزة الدولة بدءا من الأجهزة التنفيذية مرورا بالقضاء وحتى المواطن، الذى تخوفنا عليه من الإرهاق أو احتمالات عدم التجاوب مع جولات الإعادة، وكان لتحرك الرئيس السيسى وتوجيهاته القوية بضرورة فحص الموقف والتقصى بشأنه من قبل الأجهزة المعنية أثر مباشر؛ حيث استجابت الأجهزة القضائية لتلك التوجيهات، فاستمرت إجراءات التقاضى بين محكمتى القضاء الإدارى ومحكمة النقض. هذا المسار القضائى ساهم فى تصحيح العملية الانتخابية وتفادى عدد من المخالفات الجوهرية ــ إلى حد يذكر ــ التى برزت سابقًا، لاسيما فى تراجع نسب المشاركة خلال جولات الإعادة، مؤكدة بذلك على ترسيخ المعايير الديمقراطية الحقيقية للانتخابات.

الحقيقة أن قوة القرارات التى أطلقها السيد الرئيس، جاءت فى فعاليتها السيادية ــ إن جاز التعبير ــ حفظ سيادة البلاد، حيث إن حفظ سيادة الدول لا يبرز ضمن محددات الأمن القومى الخارجى فقط، فثمة أيضا محددات لأمن البلاد داخيا، وفى مقدمة هذه المحددات قناعات المواطن ومدى ولائه لوطنه، ولعل أبرز ما يعزز هذه القناعات وهذا الولاء، هى معايير الشفافية والنزاهة والتى توفرت على خلفية مثل هذه القرارات السيادية.

غير أن مثل هذه القررات، والتى خدمت على كل الاتجاهات سواء المسار الانتخابى أو قناعات المواطن أو حتى انصياع بقية أجهزة ومؤسسات الدولة، كشفت عن عدد من الملاحظات فى المشهدين سواء الحزبى أو حتى الحياة السياسية بشكل عام، ما يستدعى ضرورة التوقف والتعاطى الجاد، لاسيما الحراك الحزبى كونه ضمن المؤثرات فى المشهد السياسى وجودته، والحقيقة أن حجم العوار برز بشكل جاد فى غياب الحد الأدنى من الثقافة السياسية أو على الأقل المعرفة السياسية لدى قطاعات عامة من المواطنين، بدليل ما حدث من استهدافهم عبر خروقات المال السياسى وغيرها، وهو ما كان من الممكن تلافيه من قبل الحراك الحزبى وعبر الجولات المكثفة للتوعية للمواطن العادى، وإن كان الأحزاب نفسها قد سهدت حالة من التنظيم والمسئولية برزت فى عدة من الاستحقاقات السياسية، إلا أن أسهمها تراجعت فى هذه الانتخابات التشريعية.

ربما الرهان على وعى المواطن فى هذه النوعية من الانتخابات التشريعية المعقدة، لن يتحقق إلا عبر توصيل رسائل مفادها ليس إبراز الجدوى السياسية للمجالس النيابية، لكن إيضاح الصورة الحقيقية حال ما غابت هذه المجالس، والكفيلة أو المنوط بها التشريع والرقابة، لكنها أيضا كفيلة بحفظ حالة التوازنات بين السلطات، والتى تبرز فى مقدمة المؤشرات على امتثال النظم السياسية للمعايير الديمقراطية، ولعل مقاربات أمريكا اللاتينية تحديدا فنزويلا، الإكوادور، وحتى بوليفيا، كشفت بشكل جدى عن حجم الخلل الذى يصيب طبيعة النظام السياسى، وربما تراجعه حال غياب المجالس التشريعية وتوغل السلطة التنفيذية على حساب تراجع الأولى.

بالتالى إظهار الصورة المعاكسة ورسم المشهد بمعزل عن المجالس النيابية، كفيل أن يضع الأفراد فى مواجهة حقيقية مع الأوضاع وتداعياتها، ما قد يسهم فى خلق حالة من الإدراك والوعى الحقيقى، وهنا وجب الإشارة إلى جزئية مهمة تعلقت بحجم الإرهاق الذى أصاب الناخبين هذه المرة، على خلفية النزول المتكرر، والاستعدادات المتتالية، أيضا أجهزة الدولة وحجم الإعدادات الإدارية والتنظيمية وما تعلق باللوجيستيات، ناهيك عن الكلفة المالية، وربما ليس بمستغرب أن تكون الديمقراطية مُرهقة، وهو ما يتفق مع العلوم السياسية التى أسهبت فى الإشارة إلى الديمقراطيات، أنواعها، نشأتها، وحتى إيجابياتها وسلبياتها، وهو ما سٌلط عليه الضوء مؤخرا تجاه حجم الإرهاق الذى قد يصيب الأفراد، حال ما أرادوا ديمقراطية حقيقية وسيادة معاييرها بالبلاد، غير أن نشأة الديمقراطيات نفسها، منذ 500 سنة قبل الميلاد، كشفت عن صعوبة تطبيقها، منذ أن كانت تعرف بالديمقراطية المباشرة، أى حكم الشعب لنفسه، إلا أن انقلب عليها سقراط، ومن بعدها تطورت لتتبلور الديمقراطية التمثيلية فى صورتها المعاصرة، أى أن الشعب يختار من يمثله وينوب عنه، كما يحدث فى انتخاباتنا هذه.

كاتبة صحفية وباحثة أكاديمية فى العلوم السياسية

إيريني سعيد كاتبة صحفية وباحثة أكاديمية فى العلوم السياسية
التعليقات