تفتح الأجواء الرمضانية أبواب البحث عمّا يُلين القلوب التى يبَّستها مشاغل الدنيا وصراعات الحياة اليومية، فى عالم مضطرب أمواجه عاتية، ومده وجزره لبحر هائج لا يعرف الهدوء. وهو ما يجعل النفوس ترنو إلى الكلم الطيب الصادق، الذى يخرج خاليًا من أى زيف أو مراء، فلا هو تقرب إلى صاحب سلطان زائل، بل إلى من أنار الكوكب بمشكاة تهدى البشرية إلى خالقها.
وبسطورٍ من نور، وكلمات قدت من صخر بلورى مبارك، مدحا فى الحبيب المصطفى محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وأخيه المسيح عيسى ابن مريم، ابن العذراء البتول التى فضلها الله على نساء العالمين، يخطف الدكتور ناجح إبراهيم الأفئدة منذ السطر الأول من كتابه «محمد والمسيح» مبحرًا مع القارئ فى نهر من المحبة، عبر حزمة من الفصول استغرق إعدادها عشر سنوات من البحث والتدقيق.
«لغة الكلام على فمى خجلى
ولولا الحب لم أتكلم
يا مظهر التوحيد حسبى أننى
أحد الشداة الحائمين الحوم».
اختار د. ناجح إبراهيم أن يبدأ الفصل الثالث عشر من كتابه «محمد والمسيح»، الصادر عن دار الشروق، بهذه الكلمات التى يقول إنه كان يسمعها خلال سجنه فى قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، عبر الراديو، من فم «أعذب الأصوات وأقواها وأصفاها وأحبّها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم»، وهو الشيخ سيد النقشبندى، لتزيل من نفسه هموم السجن وتغسل أحزانه.
دفعت كلمات النقشبندى وصوته العذب ناجح إبراهيم إلى التعمق فى سيرة الرسول الكريم، ودراستها ومدارستها مرارًا وتكرارًا، ويقول:
«جاء النبى صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا وهى تنتظر نبيًا ينقذها، وولد فى أمة تحتاج إلى نبى يهديها ويوحدها. زاده اليتم صلابة ورحمة وشفقة واهتمامًا بالضعفاء، ولم يكسر إرادته. كان على صلة بالدنيا، لا منقطعًا عنها انقطاع الزهاد فى الصوامع، ولا منغمسًا فيها انغماس أهل الدنيا الذين لا هم لهم غيرها».
يتنقل صاحب «محمد والمسيح» بين رياض المدح النبوى، مستدعيًا محطات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعثته، ومكابدته فى نشر الدعوة، قبل أن يصل بنا إلى الحديث عن المسيح، أحد الرسل الخمسة أولى العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، عليهم جميعًا السلام.
وبمحبة تنفذ إلى القلوب، يتأمل المؤلف سيرة السيد المسيح، فيجده ــ كما يقول ــ «عريق الأصل، إذ يمتد اصطفاؤه من اصطفاء أجداده وأسرته وأمه»، فهو ينحدر من أسرة مباركة طيبة توارثت الصلاح وعبادة الله. وقد سمى القرآن الكريم سورة كاملة باسم أسرته «آل عمران»، وعمران هو جد المسيح لأمه مريم ابنة عمران، التى اصطفاها الله على نساء العالمين. وزوج خالته نبى الله زكريا، وابن خالته نبى الله يحيى، عليهم جميعا السلام.
ومن شجرة مباركة ولد السيد المسيح بمعجزة إلهية اقترنت بالعذراء مريم، رمز الطهر والعفاف، التى أثبت القرآن أنها نبتت على الخير والبر والصلاح، ولم تعرف يومًا طرق الشر أو الرذيلة أو الكيد والمكر أو خبث الطوية: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾.
لكن ما الذى يجمع بين محمد والمسيح عليهما السلام؟
يقول ناجح إبراهيم إن رسالتهما خرجت من مشكاة واحدة ومصدر واحد، هو الله سبحانه وتعالى، وهدفت إلى توحيد الله وعبادته وطاعته، وتعمير الكون، والصدع بالحق، والرحمة بالخلق.
دعا النبيان الكريمان إلى السلام، فهذا هتاف المسيح عليه السلام يلخص دعوته بكلمة واحدة: «الله محبة»، ويردد محمد صلى الله عليه وسلم صداها فى العالمين بهتاف: «أفضل الأعمال الحب فى الله»، فالله هو المحبوب الأعظم.
وتمضى السطور قائلة: «لن يعرف الله ويعبده حقا إلا من أشرقت فى قلبه أنوار محبته، فجعلته محبا للكون والناس والحجر والأرض، ولم تترك إشراقة هذا الحب ونورانيته مكانا لكراهية أو ضغينة أو عداوة».
ولضيق المساحة، أختم بالدعوة المشتركة إلى الحب والخير والسلام والرحمة، كما سجلها كتاب «محمد والمسيح».
يقول المسيح: «طوبى للرحماء لأنهم يرحمون»، ويقول الرسول: «الراحمون يرحمهم الرحمن».
ويقول المسيح: «طوبى لصانعى السلام لأنهم أبناء الله يدعون»، ويقول الرسول: «ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».
ربنا اجعلنا من مُفشى السلام بين البشر، الداعين إلى الخير والبر والرحمة، وتحية تقدير للدكتور ناجح إبراهيم، ولدار الشروق، على هذا الكتاب الذى يأخذنا فى رحاب روحانية تخفف من قسوة القلوب.