«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، بهذه التلبية تلهج اليوم حناجر ملايين الحجاج على صعيد عرفات الطاهر، ملبين دعوة ربهم ونداء جدهم إبراهيم عليه السلام ﴿وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًۭا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍۢ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍۢ﴾ سورة الحج الآية 27.
يتذكر الحجيج اليوم وهم يؤدون ركن الحج الأعظم، كفاح رسولهم صلى الله عليه وسلم، وجهاده لنشر الدعوة الإسلامية فى ربوع الجزيرة العربية، وكيف قضى سنوات فى مكة من التضييق والعنت من قريش وكفارها قبل الهجرة إلى المدينة مُكْرَهًا حفاظًا على دعوته، داعيًا من اتبعوه إلى الهجرة هربًا من الاضطهاد والتنكيل والملاحقة لكل من دخل فى دين الله.
رحلة طويلة قضاها الرسول الكريم قبل أن يكتب الله له فتح مكة فى العام الثامن للهجرة، لتتغير المعادلة ويصبح فيه المسلمون القوة التى تخشى، فيسبحون الله ويحمدونه، امتثالا لقول الله عز وجل فى سورة النصر (إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًۭا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا).
قضى المسلمون سنوات من المعاناة، والصبر على المكاره، قبل إخراجهم من بيوتهم والهجرة إلى المدينة المنورة، حتى كتب الله لهم النصر العزيز الذى دخل فيه الناس أفواجًا فى دين الله، بعد أن نفذوا أمر ربهم: (وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ سورة آل عمران الآية 103.
وقبل أن يأتى الخامس والعشرين من ذى القعدة من السنة العاشرة للهجرة، حسب ما يقوله الدكتور محمد حسين هيكل فى كتابه «حياة محمد» الصادر عن دار الشروق: «سار الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذ نساءه جميعًا معه كل فى محفتها وتبعه جمع زاخر، يذكر طائفة من المؤرخين أنه كان تسعين ألفًا، ويذكر آخرون أنه كان أربعة عشر ومائة ألف».
سار أصحاب هذا الجمع الكبير يحدوهم الإيمان وتملأ قلوبهم الغبطة الصادقة لسيرهم إلى بيت الله الحرام يؤدون عنده فريضة الحج الأكبر. فلما بلغوا ذا الحليفة (ميقات أهل المدينة للإحرام) نزلوا وأقاموا ليلتهم بها. فلما أصبحوا أحرم النبى وأحرم المسلمون معه، فلبس كل منهم إزاره ورداءه وصاروا ينتظمهم جميعا زى واحد هو أبسط ما يكون زيًا، وقد حققوا بذلك المساواة بأسمى معانيها وأبلغها».
توجه الرسول صلى الله عليه وسلم بكل قلبه إلى ربه ونادى ملبيًا والمسلمون يلبون من ورائه: «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك، الحمد والنعمة والشكر لك لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك» و«تجاوبت الأودية والصحارى بهذا النداء تلبى كلها وتنادى بارئها مؤمنة عابدة».
«انطلق الركب بألوفه وعشرات ألوفه يقطع الطريق بين المدينة والمسجد الحرام، والرسول ينزل عند كل مسجد يؤدى فيه فرضه، وهو يرفع الصوت بالتلبية طاعة لله وشكرًا لنعمته، وهو ينتظر يوم الحج الأكبر».
اليوم يجتمع حجاج بيت الله الحرام على صعيد عرفات، لتجتمع العقول على كلمة سواء، لا فرق لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، ولتتوحد القلوب على المحبة ونبذ البغضاء التى تتوارى أمامها الأحقاد والإحن، ولتتذكر الأفواج الغفيرة وهى تصدح بالدعاء، أن هذا ربكم واحد، ودينكم واحد، فلا تتفرقوا.
وفى هذا اليوم المبارك ندعوا مع الحجيج أن نتمسك ونعتصم بحبل الله جميعا، وأن تصغر الخلافات، وتختفى الصراعات، التى تأتى بالخراب، والدمار، وتمنح الأعداء قصب النصر والهيمنة على مقدرات المسلمين، بضرب بعضهم بعضًا.
ما أحوجنا اليوم إلى الاقتداء بسنة نبينا، الذى قال صلى الله عليه وسلم فى خطبة حجة الوداع: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا».. اللهم أحقن دماء المسلمين بحق حرمة يومنا هذا وشهرنا هذا، وأن تخرج أمتنا مما هى فيه من نزاعات وحروب سالمة من غير سوء.