ينصرف العزم فى لغة الضاد إلى توطين النفس على الفعل، والتصميم عليه، والمضى فى تنفيذه. كما يعنى إحكام الأمر والإجماع عليه. ويذهب نفر من علماء اللغة والمفسرين إلى القول بأنه حفظ العهد والاضطلاع به.
إلى بداية الخليقة تعود قصة البشر مع العزم؛ حيث يقول ربنا، تبارك وتعالى، فى الآية الخامسة عشرة بعد المائة من سورة طه: «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِى وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا». وفى تفسيرها يقول الطبرى: ولقد وصينا آدم وقلنا له: «إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ». ووسوس إليه الشيطان فأطاعه آدم، وخالف أمرى، فحلّ به من عقوبتى ما حلّ. ولو كان له عزم ما أطاع عدوه الذى حسده، وأبى أن يسجد له مع من سجد له إبليس، وعصى الله الذى كرّمه وشرّفه، وأمر ملائكته فسجدوا له. وهكذا نسى آدم العهد الذى أخذناه عليه بعدم الأكل من الشجرة، ولم نجد له ثبات قدم فى الأمور يجعله يصبر على الالتزام بعهدنا. بل لانت عريكته وفترت همته بسبب غواية الشيطان وخديعته إياه. ومعناه: ولم نجد له حفظًا لما عهدنا إليه.
وفسر أهل التأويل العزم بأنه الصبر. إذ قال القشيرى: لم نجد له عزم قلب وصبرًا على الوفاء لله بعهده، ولا حفظ ما عهد إليه. فلقد وصينا آدم بعدم الأكل من الشجرة، ونهيناه عن ذلك، وبيّنا له عاقبته؛ لكنه نسى الوصية وأكل منها، ولم يصبر عنها، ولم نر له قوة عزم على حفظ ما وصيناه به، والابتعاد عما نهيناه عنه. واستنادًا إلى قوله تعالى: «ولم نجد له عزمًا»، ذهب رهط من المفسرين إلى أن آدم لم يكن من أولى العزم من الرسل.
فى الآية السادسة والثمانين بعد المائة من سورة آل عمران يقول، عز من قائل: «وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ». وفى تفسيرها يقول الإمام القرطبى: إن تصبروا على ما نالكم فى أموالكم وأنفسكم من الابتلاء وأذى الظالمين، وتتقوا الله فى ذلك الصبر بأن تبتغوا به وجه الله والتقرب إليه، ولا تتعدوا فى صبركم الحد الشرعى من الصبر فى موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال؛ بل وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله؛ فإن ذلك من عزم الأمور.
وفى هذا السياق تأتى وصايا لقمان الحكيم، وهو ليس رسولًا ولا نبيًا، لكنه رجل آتاه الله الحكمة. حيث يقول، عز وجل، فى الآية السابعة عشرة من السورة التى تحمل اسمه: «يَا بُنَى أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ». أى: مما أمر الله به من الأمور عزمًا منه. ويفسرها الإمام الطبرى على أنها الأمور التى يُعزم عليها، ويُنافس فيها، ولا يُوفَّق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية. ذلك أن الصبر والتقوى من مظاهر قوة الإيمان، ومما عزم الله عليه وأمر به عباده المؤمنين. حيث يقول تعالى فى سورة الشورى: «وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ».
أمر المولى عز وجل نبيه وحبيبه محمدًا، صلى الله عليه وسلم، الاقتداء بأولى العزم من الرسل. حيث خاطبه فى الآية الخامسة والثلاثين من سورة الأحقاف قائلًا: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ». وفى تفسيرها يقول ابن عباس: هم ذوو الحزم والصبر. وقد تعددت الروايات بشأن عددهم. فقال مجاهد: هم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، عليهم جميعًا أفضل الصلاة وأزكى السلام. وهم أصحاب الشرائع السماوية. وقال أبو العالية: هم نوح، وهود، وإبراهيم؛ فأمر الله عز وجل نبيه، عليه الصلاة والسلام، أن يكون رابعهم. وقال السدى: هم ستة: إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله عليهم أجمعين. وقيل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى، وهم المذكورون على النسق فى سورتى الأعراف والشعراء.
وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه مدة، وإبراهيم صبر على النار، وإسماعيل صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر. وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم. وقال الشعبى والكلبى ومجاهد أيضًا: هم الذين أُمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة. وقال الحسن: أولو العزم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. فأما إبراهيم فقيل له: «أسلم قال أسلمت لرب العالمين»، ثم ابتُلى فى ماله وولده ووطنه ونفسه، فكان صادقًا وافيًا فى جميع ما ابتُلى به. وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: «إنا لمدركون»، قال: «كلا إن معى ربى سيهدين». وأما داود فأخطأ خطيئته فنُبِّه عليها، فأقام يبكى أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة فقعد تحت ظلها. وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لبنة على لبنة، وقال: «إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها».
فكأن الله تعالى يقول لرسوله محمد، صلى الله عليه وسلم: اصبر، وكن صادقًا فيما ابتُليت به مثل صدق إبراهيم، واثقًا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى، مهتمًا بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود، زاهدًا فى الدنيا مثل زهد عيسى. وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون فى سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. وأوصى الحق، تقدست أسماؤه، نبيه فى الآية التسعين من ذات السورة بالتأسى بهم، قائلًا: «أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ».
يذهب أبو القاسم الحكيم إلى أن كل الأنبياء أولو عزم إلا يونس بن متى. ويستشهد بنهى ربنا، جل وعلا، نبيه محمدًا، صلى الله عليه وسلم، أن يكون مثله، لخفة وعجلة ظهرتا منه حين ولى مغاضبًا لقومه. فابتلاه الله بثلاث: سلط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلط الذئب على ولده فأكله، وسلط عليه الحوت فابتلعه. وقال ابن عباس: كل الرسل كانوا أولى عزم. وقال على بن مهدى الطبرى: إنما دخلت «من» على «أولى العزم» فى آية الأحقاف للتجنيس لا للتبعيض، كما نقول: اشتريت أردية من البز وأكسية من الخز. ومن هنا يأتى التفسير: اصبر كما صبر كل الرسل والأنبياء.
ثم قيل إن آية الأحقاف تلك مكية منسوخة بآية السيف، وهى الخامسة من سورة التوبة: «فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ». وتُعتبر آية تشريعية للسياق الحربى؛ إذ نزلت بحق مشركى العرب الذين نقضوا عهودهم مع المسلمين، وليست حكمًا عامًا دائمًا بقتل غير المسلم. وقيل: هى آية محكمة؛ حيث ذكر مقاتل أنها نزلت على المعصوم، صلى الله عليه وسلم، يوم أُحد، فأمره مولاه، جل فى علاه، أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل، تسهيلًا عليه وتثبيتًا له.
يقول المولى تبارك وتعالى فى الآية التاسعة والخمسين بعد المائة من سورة آل عمران: «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ». والمعنى: إذا صح عزمك بتثبيتنا إياك وتسديدنا لخطاك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به؛ سواء وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها. وتوكل فيما تأتى من أمورك وتدع، وتحاول أو تزاول، على ربك؛ فثق به فى كل ذلك، وارض بقضائه فى جميعه، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم.
ويقول ابن إسحاق: «فإذا عزمت»، أى: على أمر جاءك منى، أو أمر من دينك فى جهاد عدوك، لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أُمرتَ به، على خلاف من خالفك وموافقة من وافقك.