قدم المخرج الإيطالى باولو سورينتينو فيلمه الجديد «La Grazia» (النعمة)، فى عودة طال انتظارها بعد نحو عقد من فيلمه الأشهر «الجمال العظيم».
الفيلم الذى يقوم ببطولته الممثل تونى سرفيلو، ليس مجرد دراما سياسية، بل تأمل فلسفى فى هشاشة السلطة، ومحدودية الغفران الإنسانى، وصراع الضمير حين يتورط فى الحسابات المؤرقة للدولة.
يدور الفيلم حول شخصية «ماريانو دى سانتيس»، رئيس الجمهورية الإيطالية فى نهاية ولايته الثانية، شخصية خيالية لرجل كاثوليكى محافظ، أرمل منذ سنوات، لديه ابنة تُدعى دوروتيا، باحثة قانونية مثله، فهو يعشق القانون الجنائى الذى درسه طوال حياته، يعيش عزلة فكرية وروحية فى قصرٍ يعج بالمستشارين والصمت.
تبدأ القصة من لحظة أزمة: على الرئيس أن يقرر ما إذا كان سيوقع عفوًا رئاسيًا عن امرأة قتلت زوجها دفاعا عن نفسها. قضية تهز الرأى العام، لكنها بالنسبة إليه ليست قضية قانون فحسب، بل امتحان أخلاقى يعيد فتح جراحه الخاصة.
ومع اقتراب موعد انتهاء ولايته، يزداد التوتر الداخلى: بين ما يفرضه عليه القانون، وما يهمس به ضميره، وبين ذاكرة زوجته الراحلة التى تطارده كظل من الماضى.
هنا يصنع المخرج سورينتينو توازنا بين العام والخاص: الرئيس كرمزٍ للسلطة، والإنسان كرمزٍ للهشاشة. فى كل مشهد، يبدو الرجل محاطا بمؤسسات ضخمة وجدران عالية، لكن عزلته الداخلية أعمق من كل ما حوله.
يحمل عنوان الفيلم «La Grazia» أكثر من معنى: فهو يشير إلى «العفو» السياسى، لكنه يرمز أيضا إلى النعمة الإلهية التى يسعى الإنسان إليها دون أن ينالها.
يسأل الفيلم: من يملك حق الغفران؟ هل الرئيس حين يوقع مرسوما، أم الإنسان حين يتجرد من كبريائه؟
من خلال هذا السؤال، يفتح سورينتينو نقاشا أخلاقيا معاصرا عن حدود السلطة، عن العلاقة بين الدين والدولة، وعن الفارق بين العدالة والقانون.
إنها ليست حكاية سياسية فحسب، بل رحلة روح تبحث عن الخلاص فى عالم يزداد قسوة.
فى لحظات كثيرة، يذكرنا الفيلم بأعمال بيرجمان وتاركوفسكى، حيث تتحول السياسة إلى مرآة للروح، والقرارات إلى اعترافات غير معلنة.
من الناحية البصرية، يواصل سورينتينو أسلوبه المميز: اللقطات الواسعة للقصور والمكاتب الحكومية، الكادرات المتماثلة التى تُظهر ضآلة الفرد أمام بنية الدولة، واستخدام الضوء الذهبى فى تدرجات الغروب كرمزٍ للأفول الشخصى والسياسى.
الإيقاع بطىء متأمل، تتحكم به لحظات الصمت أكثر من الحوارات. فى بعض المشاهد، لا يقول الرئيس كلمة واحدة لدقائق، بينما تعبّر عيناه عن كل ما يُقال فى الخفاء.
الموسيقى، التى وضعها ليلو أنريكو باى، تمتزج بين الأورغن الكنسى والإلكترونيات الحديثة، فى نغمة تجمع بين القداسة والقلق، وتُترجم الصراع بين القديم والجديد فى شخصية البطل.
يقدم تونى سرفيلو واحدا من أكثر أدواره نضجا وعمقا لأداء تعبيرى، مذهل يختار الصمت بدلا من الانفعال، والهمس بدلا من الخطابة.
ملامحه الجامدة تخفى ترددا داخليا، ونظرته الزجاجية إلى الكاميرا تختصر مسارا كاملا من الإنهاك والندم.
سرفيلو هنا لا يؤدى شخصية سياسية فحسب، بل يجسد فكرة الإنسان الذى يشيخ داخل مؤسسته، ويكتشف متأخرا أن المنصب لا يمنحه الخلاص.
الشخصيات الثانوية ــ خاصة السكرتيرة الرئاسية الشابة والصحافى الطموح ــ تؤدى دورا مكملا فى كشف تناقضات الرئيس، كل منهم يقدم وجها آخر للمجتمع الإيطالى بين الإيمان والمصلحة.
لا يمكن الحديث عن فيلم لسورينتينو دون الإشارة إلى جماليات التكوين البصرى التى تحول المشهد إلى لوحة فنية.. فى «La Grazia»، يتخذ المخرج من قصر الرئاسة مسرحا للرمز الدينى، حيث الأعمدة تشبه أعمدة الكنائس، والضوء المنعكس على المرايا يذكرنا بضوء روحانى، والملابس الرسمية تقترب من أثواب الكهنة.
السلطة هنا ليست دنيوية تماما؛ إنها طقس دينى معكوس، حيث يتحول القرار السياسى إلى شكل من أشكال الاعتراف أو التوبة.
لكن المخرج لا يقدس بطله، بل يعريه من وهج المنصب، ويجعله يقف أمام نفسه عاريا من الألق، تماما كما فى مشهد النهاية حين يوقع القرار الأخير ثم يترك القلم على الطاولة كمن يودع الحياة.
ينتمى الفيلم بعمق إلى الوجدان الإيطالى: بلد تتقاطع فيه الكاثوليكية مع التاريخ السياسى المعقد، وتختلط فيه الأخلاق العامة بالمصالح الخاصة.
يستخدم سورينتينو هذه الخلفية ليُشير إلى أزمته الأبدية: هل يمكن للسياسة أن تكون طاهرة؟
فى إحدى الحوارات اللافتة، يقول الرئيس لمستشاره:
«لقد كنتُ قاضيا أبحث عن الحقيقة، ثم أصبحتُ رئيسا أبحث عن التوازن. لم أعد أعرف أيّهما أكثر عدلا».
هذه الجملة تختصر روح الفيلم: إننا لا نختار دائماً بين الصواب والخطأ، بل بين خطأين مختلفين فى المظهر، متشابهين فى الجوهر.
رغم انغماسه فى البيئة الإيطالية، يتجاوز «La Grazia» حدودها، ليصبح سؤالا عالميا عن معنى المسئولية.
الرئيس الإيطالى هنا يمكن أن يكون رمزا لأى صاحب قرار فى أى دولة أو زمن.
إنه فيلم عن الإنسان حين يُستنزف تحت ثقل القوانين، وعن الفن حين يبحث عن أخلاقٍ فى السياسة.
ربما لهذا السبب اعتبره «فيلما إنسانيا قبل أن يكون سياسيا».
«La Grazia» ليس مجرد فيلم عن العفو الرئاسى، بل عن العفو الذاتى، عن الإنسان الذى يُحاكم نفسه قبل أن يُحاكم الآخرين.
فى عالمٍ يزداد صخبا، يقدم باولو سورينتينو عملا هادئا، ممتلئا بالحياة الداخلية.
إنه فيلم عن نهاية السلطة وبداية الوعى، عن سقوط الرموز وبقاء الأسئلة.
وحين يُسدل الستار، لا نعرف إن كان الرئيس قد منح النعمة لأحد، أم إنه هو من نالها أخيرا.