لم تعد العمارة فى التفكير المعاصر تقارب بوصفها فعلا تقنيا يهدف إلى تشييد غلاف وظيفى يحمى الإنسان من العوامل الخارجية، بل باتت تفهم على نحو متزايد كعلاقة حيوية مركبة بين الجسد والمادة والمكان. من ضمن هذا التحول، يبرز مفهوم العمارة البيولوجية بوصفه أفقًا معرفيًا يعيد النظر فى أسس البناء نفسها، لا انطلاقًا من منطق السيطرة على الطبيعة، بل من منطق التعلم منها والانخراط فى أنظمتها. فالعمارة هنا لا تنتج ضد البيئة، بل تعمل داخل قوانينها، وتستمد استقرارها من انتظامها الحيوى.
العمارة الطينية كنظام بيولوجى تاريخى
تظهر العمارة الطينية فى المغرب والعراق أن البناء كان تاريخيًا، ونظامًا بيولوجيًا قبل أن يكون نظامًا هندسيًا. ففى قصور واحات الجنوب المغربى، وفى بيوت الأهوار والقرى النهرية فى جنوب العراق، يحافظ البناء الطينى على تماسكه عبر توازن حرارى - رطوبى بالغ الدقة، تشارك فى صيانته الأجساد البشرية بحضورها اليومى، والدخان المتولد عن الطهى، وحتى الذبذبات الصوتية التى تعمل كموجات فيزيائية تبقى الطين مرنًا وتحد من تشققه. وعند غياب الساكنين، لا ينهار البناء بفعل الإهمال، بل نتيجة لاختلال تلك الدورة الحرارية التى كانت تضمن استقرار المادة واستمرار تماسكها.
هذا الفهم يسمح بإعادة قراءة مفهوم الأطلال فى الشعر العربى القديم بوصفه مؤشرًا ماديًا، لا مجرد صورة لحنين آسر؛ فالأطلال ليست بقايا مكان مهجور فحسب، بل هى أثر لانقطاع الرابط البيولوجى بين الإنسان والمكان. حين يقف الشاعر على الأطلال، فهو يقف أمام مادة فقدت شرط حياتها: حرارة الجسد، الحركة والاستعمال. بذلك يصبح الخراب نتيجة مباشرة لغياب الحياة، لا فعلًا زمنيًا مجردًا.
عمارة الفقراء
تستهدف محاولة المعمارى المصرى حسن فتحى فى مشروعه الطموح مجسدا بقرية القرنة الجديدة فى صعيد مصر، السعى إلى تطوير العمارة الطينية التقليدية ونقلها إلى أنموذج عصرى متكامل، يستند إلى نظام بيئى حيوى قائم على القباب والتهوية الطبيعية والمواد المحلية، كما نظر له وبلوره فى كتابه مهندس الفقراء. وعلى الرغم من أن المشروع لم يحقق أهدافه المتكاملة تمامًا على أرض الواقع، بسبب تحديات اجتماعية واقتصادية وإدارية عديدة، فإن فلسفته المعمارية وأطروحته البيئية تركتا أثرًا واسعًا لاحقًا، إذ ظهرت مبانٍ فردية فى الولايات المتحدة وغيرها، مستلهمة تقنيات القباب والبناء بالطين والتهوية الطبيعية، من دون أن تكون امتدادًا مباشرًا لمشروعات نفذها هو بنفسه.
فى أعشاش النمل الأبيض
يمثل المعمارى الزيمبابوى ميك بيرس أحد أبرز رواد العمارة الحيوية والتصميم البيئى منخفض الطاقة، ويعد Eastgate Centre فى هرارى أبرز تجسيد تطبيقى لمقاربته. يستند تصميم المبنى إلى مبدأ المحاكاة الحيوية، مستلهما آليات التنظيم الحرارى فى أعشاش النمل الأبيض، عبر إدارة دقيقة لتدفق الهواء وتفعيل الكتلة الحرارية بوصفها عنصرًا إنشائيًا فاعلًا. يعمل النظام على سحب الهواء الأبرد من الأسفل، وتمريره عبر كتل خرسانية عالية الكتلة الحرارية قبل تصريف الهواء الأدفأ إلى الأعلى، محققًا استقرارًا حراريًا ذاتيًا من دون تكييف ميكانيكى، وباستهلاك طاقة لا يتجاوز عشر ما تتطلبه مبان تجارية مماثلة. وعليه، يفهم المبنى كمنظومة تنظم بيئتها الحرارية عبر التصميم ذاته، لا عبر الإضافة التقنية.
وتتجلى المحاكاة التشريحية بوضوح فى أعمال المهندس المعمارى الإسبانى سانتياجو كالاترافا، لا سيما فى مدينة العلوم والفنون فى فالنسيا. يقوم هذا المجمع على تحويل البنية التشريحية الحيوانية إلى منطق إنشائى مباشر، لا إلى استعارة شكلية. يصمم أحد مبانيه وفق تنظيم كتلوى يُحاكى رأس بومة، حيث تعمل تجاويف العينين كفراغات تخفيف إجهادات، ويؤدى الامتداد الأمامى دور عارضة رئيسية فى نقل الأحمال، فيما يضمن التوازن المحورى استقرار الكتلة وتوزيع القوى بشكل متناظر. فى المقابل، تعتمد مبانى أخرى على نظام إنشائى مستوحى من فقرات العمود الفقرى وأضلاع الديناصورات، إذ تنقل الأحمال عبر أقواس متكررة تعمل كعناصر ضغط، ومفاصل إنشائية تسمح بالحركة الدقيقة وامتصاص الإجهادات، محققة خفة بنيوية مع الحفاظ على الصلابة الهيكلية.
ويعد الماء جزءًا بنيويًا من هذا النظام، لا عنصرًا زخرفيًا؛ إذ تجرى السواقى فى قلب المجمع وبين كتل مبانيه، فتعمل على تنظيم العلاقة الفراغية والإنشائية بين الكتل، وتدعم التوازن الحرارى والبصرى للموقع، فضلًا عن وجود أكبر أكواريوم فى أوروبا داخله، بوصفه كتلة مائية ضخمة تدرج ضمن الحسابات الإنشائية والبيئية للمجمع. يتحقق تناسق طبيعى - بيولوجى بين الشكل، والمادة، وآليات تحمل الإجهادات، فى إطار منظومة إنشائية واحدة محكومة بمنطق تشريحى دقيق.
بين التقنية الحديثة والمعرفة التقليدية
يبلغ التفكير البيولوجى ذروته مع مواد البناء الحية، لا سيما الخرسانة المطعمة بخلايا حية معالجة فى المختبرات. يبين العالم الهولندى هندريك يونكرز، الباحث فى هندسة المواد والمختص فى الخرسانة ذاتية الالتئام (جامعة دلفت - هولندا)، أن إدماج بكتيريا Bacillus داخل الخرسانة يسمح لها بالبقاء كامنة إلى أن تظهر شقوق دقيقة بفعل الإجهادات البنيوية؛ ولدى تسرب الماء إلى هذه الشقوق، تنشط البكتيريا وتنتج كربونات الكالسيوم، ما يؤدى إلى ملء الفراغات تلقائيا وإعادة إغلاقها، محولًا الخرسانة من مادة خاملة إلى نظام قادر على ترميم ذاته واستعادة تماسكه البنيوى.
الآلية هنا مادية دقيقة: تكاثر خلوى، ترسب معدنى، واستعادة فعلية للتماسك الإنشائى، بحيث لا يكون التشبيه بالجلد مجازًا إنشائيًا بل توصيفًا لوظيفة إصلاح ذاتى حقيقيًا. ويجد هذا المنطق ما يوازيه، بصورة غير مختبرية، فى مثال بيولوجى - هندسى تقليدى فى العمارة الطينية العراقية، حيث تدمج مادة النفاش، المستخرجة من صلب القصب والبردى، مع الطين بهدف تعزيز تماسك اللبنة وزيادة مقاومتها للعوامل الطبيعية. وتستعمل الآلية نفسها فى بناء «التنور الطينى»، الذى يكتسب بهذه الطريقة قدرة عالية على تحمل الحرارة، متفوقًا عمليًا على السيراميك الصناعى، ما يبين أن مبدأ المادة الحية ليس ابتكارًا معاصرًا بقدر ما هو إعادة صوغ علمية لمعرفة بنيوية راسخة.
فندق الجبنة
فى إطار العمارة الحيوية، يمكن قراءة ما يتداول عن «المشروع الحلمى لفندق الجبنة» فى سويسرا، بوصفه تخييلًا شعبيًا يختزل منطقًا علميًا معقدًا فى صورة مألوفة، ويكشف فى الوقت نفسه عن الكيفية التى تترجم بها المفاهيم البنيوية الدقيقة إلى استعارات قابلة للتداول العام.
ففكرة الجبنة، لا تعمل هنا كغرابة شكلية، بل كإحالة غير واعية إلى البنى الرغوية والخلوية التى تدرس فى الهندسة المعمارية بوصفها أنظمة عالية الكفاءة فى توزيع الكتلة، وتحسين التهوية والإنارة، وتقليل استهلاك المادة والطاقة.
ويعد مبنى المركز الوطنى للألعاب المائية فى بكين، المثال الأيقونى لتجسيد هذا المنطق، حيث يتحول المبدأ الخلوى من استعارة مبسطة إلى نظام إنشائى فعلى. إذ استلهم غلافه الإنشائى من بنية رغوية كفوءة ذات خلايا متعددة الأحجام، قائمة على أنموذج رياضى يسعى لتحقيق أقصى كفاءة ممكنة فى تقسيم الفضاء والاقتصاد فى السطح والمادة.
وتؤكد أدبيات المحاكاة الحيوية، كما صاغتها الأمريكية جينين بينيوس وطورها الأمريكى مايكل باولين، أن المسامية فى هذا السياق، لا تفهم بوصفها قيمة شكلية أو زخرفية، بل سلوكا بيئيا مشتقا من منطق الأجسام الحية نفسها، من الإسفنجات والعظام إلى الأنسجة العضوية، حيث تتقدم الكفاءة الوظيفية على التعبير الشكلانى.
هكذا، لا يعود فندق الجبنة مشروعًا غرائبى فحسب، أو صورة طريفة متداولة، بل يغدو استعارة ثقافية كاشفة، تظهر كيف تنتقل المفاهيم من البحث الأكاديمى إلى التطبيق المعمارى، ثم تتجه، بعد تبسيطها، إلى المخيال العام، محتفظة بجوهرها البنيوى، بعدما انتقلت من لغة التحليل العلمى إلى لغة الصورة والاستعارة.
تكشف المقارنة بين العمارة الطينية والعمارة البيولوجية المعاصرة أن البناء لم يفقد طابعه الحيوى، بل غير وسائطه. ما كان يتحقق عبر حرارة الجسد فى بيوت الطين، يتحقق اليوم عبر أنظمة تهوية تنظيمية، وهياكل تشريحية، ومواد قادرة على الترميم الذاتى. الثابت فى جميع هذه الحالات أن المبنى لا يعمل بمعزل عن الحياة، بل داخل شبكة من العلاقات البيئية والمادية.
فى هذا السياق، لا تمثل الطباعة ثلاثية الأبعاد سوى امتداد لهذا المنطق، حين تنشأ مساكن باستخدام مزيج من القش وفضلات الخشب، وتضخ عبر أذرع روبوتية إلى مواقع وعرة. هنا لا تفرض العمارة على المكان، بل تتشكل وفق شروطه. ويتقاطع هذا التصور مع رؤية الفنان والمهندس المعمارى الإسبانى سيزار مانريكى الذى أكد أن العمارة، وإن قامت فوق الأرض، فإن منطقها الحقيقى يجب أن يشتق مما هو تحتها: الجذور، والتربة، والبذور.
هكذا لا تشيد العمارة البيولوجية بوصفها منتجًا نهائيًا، بل تتكون من الجدران التى تعمل كجذوع، السقوف كأغصان، الفتحات تنظم الضوء كما تنظمه الأوراق. ومع إدماج المواد الحية، يصبح التآكل مرحلة من ضمن دورة إصلاح ذاتية، لا علامة على الفشل. وهكذا تتجه المدن نحو حضرية تتنفس وتتكيف، لا لأنها خضراء بالمعنى الشكلانى، بل لأنها استعادت، فى صيغ معاصرة، تلكم العلاقة الأولى بين الإنسان والمكان، والتى كانت منذ البداية علاقة حياة.
على البزاز
مؤسسة الفكر العربى