تستحضر رواية «طشارى» (2013) للروائية العراقية إنعام كجه جى من خلال ذاكرة الراوية المقيمة فى باريس قصة المكان الأول (العراق) وتاريخه من خلال حكاية عمتها الدكتورة وردية الثمانينية التى داوت آلاف النساء طوال نصف قرن، لترغم، بدورها، وهى فى هذه السن، على اللجوء إلى فرنسا؛ فتستعيد عبر الذاكرة تاريخ بلدها وتاريخ عائلة مسيحية عراقية شتتها التهجير والتغريب القسريان فى المهاجر الغربية بداعى ظروف العراق المقلقة على أكثر من صعيد. الراوية تعيد بناء الذاكرة عبر السرد فيما يتولى ابنها الشاب استحداث مقبرة إلكترونية لموتى العائلة الذين توزعتهم المهاجر، ويبثها عبر الإنترنت لجمع ما تشتت وما تفرق.
أعادنى كتاب «الذاكرة الفلسطينية فى الفضاء الرقمى. أشكالها، إشكالياتها، آفاقها»، للباحثة د. تغريد على السميرى، الصادر حديثًا عن مركز دراسات الوحدة العربية، إلى رواية «طشارى» (أى التشتت والتفرق)، ونقاط الالتقاء بين إنتاج المعرفة الأكاديمية بعامة والتخييلية الروائية بخاصة، ولاسيما فى موضوع الذاكرة الذى تنتمى الدراسة الأكاديمية البحتة لسميرى إلى حقله، واعتمادها المنهجين التحليلى والتاريخى؛ وذلك على الرغم من افتراق الحقلين، أى الأكاديمى والتخييلى، وظروف التشتت فى البلدين، حيث فقد الفلسطينيون حيزهم المكانى والجغرافى فغدوا شعبًا أضاع أرضه وهو ما ليس بحال العراقيين الذين غدوا شعبًا مشتتًا فى أرضه وفى خارجها.
صحيح أن مغتصب الأرض الإسرائيلى راهن على نسيان الأجيال الفلسطينية الجديدة والشابة لقضيتهم، وقد استحضرت الباحثة فى هذا الشأن مقولة دايفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلى، التى جاء فيها أن الكبار يموتون والصغار ينسون، غير أنها فى تركيزها على طرق بناء الذاكرة الفلسطينية فى الحيز الرقمى أظهرت بطلان هذه المقولة، لكن من دون الانجرار العاطفى وحتى الإيديولوجى الذى لا يستوى مع البحث العلمى الأكاديمى. وقد استعانت من أجل ذلك، عدا عن طرق اختيار عينة البحث، بإطار نظرى محكم لدراستها (توزع على مجالات ثلاثة: مجال الذاكرة، مجال الحيز، مجال المتذكر)، لا إمكانية هنا لاستعراض مجالاته، بل نكتفى بعنصرين من عناصره، وهما: الذاكرة الفلسطينية الجديدة، ومسألة التذكر والنسيان. فالذاكرة الفلسطينية الجديدة، الموازية للجيل الفلسطينى الجديد، «هى فى حالة تكون دائم» (ص 26)، لا سيما أن الجيل الفلسطينى الجديد أعاد تأليف هويته وقولبة صورته واهتماماته خارج إطار التنظيمات الفلسطينية، متخيرًا أدواته الخاصة بالتذكر، بما يلائم نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعى». (ص26).
أما عن مسألة التذكر والنسيان فى ذاكرة الفلسطينيين، فقد اختارت الباحثة، منهجيا، عدم التركيز على جانب واحد من العملية (أى التذكر)، بل على الجانب الآخر (النسيان) أيضا، بوصفه، وبحسب الفيلسوف الفرنسى بول ريكور، مرتبطا ارتباطا وثيقا بالذاكرة. فصحيح أن الفضاء الرقمى مثلا قد شرع الأبواب أمام الفلسطينيين لبناء ذاكرتهم عبر الأجيال، إلا أن النسيان بدا الوجه الآخر الذى حاولت الباحثة تلمس معالمه خلال تقصى عملية سرد الفلسطينيين لروايتهم، وتبيان العقبات والتحديات التى تواجه هذه العملية، مرتكزة على "الذاكرة المتلاعب بها" التى نظر لها بول ريكور فى إطار فينومينولوجيا الذاكرة (الذاكرة المعوقة/ الذاكرة المتلاعب بها/ الذاكرة الملزمة)، بقدر ارتكازها على النسيان الاحتياطى (لريكور أيضا) الذى مارسه الفلسطينيون بفضل مبادراتهم الرقمية والذى يقع، أى النسيان الاحتياطى بحسب مفهوم ريكور، على الطرف النقيض من "النسيان النهائي"؛ وهو الأمر الذى أتاح لها الاستدلال على إشكاليات الذاكرة الفلسطينية فى المنصات الرقمية من دون الاقتصار على الإيجابيات، واستشراف آفاقها.
فى سياقات الذاكرة
بعيدا عن الأدلجة، لكن فى إطار تبيان الفضاءات التى أسهمت فى تكوين الذاكرة الرقمية الفلسطينية، خصصت الباحثة تغريد السميرى الفصل الثالث من كتابها للسياقات السياسية والاتصالية والثقافية والاجتماعية العامة لهذه الذاكرة منذ عام النكبة، 1948، وحتى عام 2022. سياسيًا، جالت بين مرحلة نشأة منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من بيروت على أثر اجتياح إسرائيل للبنان فى العام 1982، مرورًا بمرحلة الانتفاضة الأولى أو انتفاضة الحجارة (1987 - 1991) واتفاق أوسلو، والانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى - عام 2000) وهبة القدس (2021)؛ اجتماعيًا وثقافيًا، تابعت السميرى بدءًا من نكبة عام 1948، تشتت المجتمع الفلسطينى وتمزقه بين فلسطينيى الداخل فى ظل المغتصب أو المستعمر الإسرائيلى، وبين فلسطينيى الضفة الغربية وقطاع غزة، والذين لجأوا إلى دول الجوار فى سوريا والأردن ولبنان، حيث أشارت فى هذا السياق من خلال فلسطينيى المخيمات فى لبنان كأنموذج، إلى أنهم انخرطوا ابتداء فى ممارسات التخليد الرسمية (التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية)، ومن ثم انتقلوا إلى التركيز على الذاكرة الجمعية المرتبطة بالقرية (ص93)، ومن ثم تطويرهم أدوات للذاكرة بعيدة عن السياسة من طريق أمكنة الذاكرة اليومية فى المخيمات، وتمسكهم برموز أساسية للتذكر، مثل غصن الزيتون والبيارة، والثوب الفلسطينى التقليدى، ومفتاح البيت (راجع ص 93-94)، فى حين أن عملية التذكر لدى فلسطينيى عام 1948 كانت على تماس مباشر مع الإسرائيليين (راجع ص 94)، معددة التحولات الاجتماعية الجديدة فى المجتمع الفلسطينى بالاستناد إلى دراسة مجدى المالكى وحسن لداودة (تحولات المجتمع الفلسطينى منذ سنة 1948: جدلية الفقدان وتحديات البقاء، 2018)، والتى نورد بعضها: أولا: تحول النظام السياسى الفلسطينى من نظام مقاوم إلى آخر مهتم بخطط التنمية وبناء المؤسسات، ثانيا: تهميش دور منظمة التحرير الفلسطينية، ثالثا تضخم القطاع الحكومى وانتشار الفساد فى المؤسسات العامة.. إلخ (راجع ص95). كما تطرقت السميرى فى سياق رصدها للتحولات الاجتماعية والثقافية للمجتمع الفلسطينى، إلى الجيل الفلسطينى الجديد الذى حمل تسميته هذه من تلك التغييرات ومن زمن موت الإيديولوجيا وضعف التنظيمات الفلسطينية والتمثل بمظاهر الحياة المعولمة فى اللباس والزينة، لكن من دون أن يعنى ذلك التخلى عن الكراهية للاحتلال الإسرائيلى. كما شهدت الأراضى الفلسطينية أيضًا ولادة من بات يعرف بـ«الفدائى الجديد». هذا من دون أن تهمل الباحثة ما كان للأعمال الأدبية والفنية منذ النكبة وحتى اليوم من أثر بالغ فى «صوغ الذاكرة الفلسطينية وصناعة الرموز وحتى الثيمات» (ص 99).
أما على الصعيد الإعلامى والاتصالى، فتابعت الباحثة تغريد السميرى ملامح المشهد الفضائى الفلسطينى منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضى وأبرز تحولاته ومحطاته، وأثر المتغيرات التقنية على آليات تذكر الفلسطينيين، سواء لناحية أدوار المتذكرين وأساليب التذكر أم لناحية طرق المشاركة والتعليق وسرد الذكريات والمصطلحات مثل «المناصرة الرقمية»، و«المقاومة الرقمية»، و«الذاكرة الرقمية»، لا سيما مع بلوغ نسبة مستخدمى مواقع التواصل فى عام 2022 حوالى 65.7 فى المائة بحسب مؤسسة «آيبوك»، الأمر الذى ساعد الفلسطينيين على نشر سرديتهم المناقضة للسردية الإسرائيلية (راجع ص 108). وقد انتشرت المبادرات الرقمية الفلسطينية التى توثق ذاكرتهم، والتى اختارت منها السميرى عينتها، وتنوعت، بين الاعتناء بالتذكر المباشر، والتركيز على تذكر الأجيال، والسعى لتوثيق أسماء المدن والأماكن وملكية البيوت، ومحاولة تخليد حكايا المقاومين والأسرى، والعمل على إشراك الجمهور فى إنتاج المحتوى وإعادة إنتاجه، والاشتغال على نشر سردية خاصة بالفلسطينيين فى وسائل الإعلام العالمية. (ص 132).
وعلى الرغم من كل هذه الإيجابيات التى أتاحها الفضاء الرقمى للفلسطينيين فى الحاضر، ومن أجل المستقبل لناحية نشر سرديتهم وبناء ذاكرتهم الوطنية وتخليدها عبر الأجيال، فإن الجانب الميدانى من بحث السميرى أعانها على تلمس إشكاليات واقعية وحقيقية بدلا من الاكتفاء بالتنظير العام والمجرد؛ حيث للتذكر الفلسطينى إشكالياته من وجهة نظر صناع المحتوى الذى عكسته حلقات النقاش التى أجرتها الباحثة معهم، وهى: إظهار الجانب الإنسانى بهدف تحميل الذاكرة مشاعر التعاطف، بما يسيء إلى المواد الرقمية المقدمة، الحجب والتضييق الذى يطاول الظهور الرقمى، فقدان التواصل مع الغرب، مراوحة المحتوى الذى يوثق الذاكرة مكانه فى دائرة الماضى فقط، الحاجة إلى أنسنة الذاكرة وأحجية النكبة، سيطرة الهواة فى الفضاء الرقمى وليس المحترفين، التوثيق العشوائى وغياب المصادر، غياب العناصر الأساسية لصوغ الذاكرة وأدلجتها، فضلًا عن وقوع بعض صناع المحتوى فريسة الممولين. هذا مع ضرورة الإشارة إلى إشكالية أساسية من إشكاليات التذكر والتوثيق لدى الفلسطينيين قاربتها السميرى، والتى هى غير منفصلة برأيى عن السمة الاستهلاكية لمجتمعاتنا المعولمة، وتتمثل بعنصرى الإثارة والتشويق وما يرافقهما من محاولات لكسب أكبر عدد ممكن من المشاهدات وحالات الإعجاب، أو سعيًا للربح، على حساب صحة المعلومات ودقتها.
لا شك فى أن كتاب تغريد السميرى يشكل إضافة نوعية فى سياق دراسات الذاكرة بعامة، والذاكرة الفلسطينية بخاصة، فى زمننا الحالى الذى تستعر فيه حروب الذاكرة والسعى إلى مأسسة النسيان بحسب مصالح قوى الاستعمار الجديد، المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل.
رفيف رضا صيداوى
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://bitly.cx/Uwj4N