تحلل الملوثات المستعصية.. تحدٍ تكنولوجى - العالم يفكر - بوابة الشروق
الخميس 5 مارس 2026 4:40 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

تحلل الملوثات المستعصية.. تحدٍ تكنولوجى

نشر فى : الأربعاء 4 مارس 2026 - 5:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 مارس 2026 - 5:45 م

نشرت دورية «كورييه إنترناسيونال» الفرنسية فى عددها رقم 1824 الصادر فى 16 - 22 أكتوبر2025، نصًا لليابانى كينجى تامورا كان قد نشر فى صحيفة «أساهى شينبون» اليابانية بتاريخ 9 مايو 2025. قدم القيمون على الصحيفة مقالة كينجى تامورا كالآتى: «فى اليابان، كثيرة هى الفرق العلمية التى تسعى إلى إيجاد تقنية لتحليل المواد البيرفلورو ألكيلية ومتعددة الفلورو ألكيلية - المعروفة اختصارًا بـPFAS». وقد وجدوا بالفعل بعض الحلول، غير أن بعض العقبات لا تزال ماثلة أمام تطبيقها فى ظروف استخدام فعلية.
الـPFAS، كمركب كيميائى ثابت للغاية ومكون من فلور عضوى، يكاد لا يتحلل فى الطبيعة بسهولة، ما جعله من الملوثات الأبدية. وتعانى فرق من الباحثين حاليًا صعوبات فى إيجاد طريقة تسمح بتفكيكه إلى مواد غير ضارة.
إن الآثار الضارة لهذه المواد على الصحة مثيرة للقلق: الـPFOS (حمض البيرفلورو أوكتان سلفونيك) والـPFOA حمض البيرفلورو أوكتانويك، هما مادتان تنتميان إلى عائلة الـPFAS، وتم تسليط الضوء عليهما لارتباطهما بانخفاض وظائف الكبد، ونقص الوزن لدى حديثى الولادة، وسرطانات الكلى والثدى.
المحفز الضوئى. فى مختلف أنحاء اليابان، تم رصد تركز كميات من الـPFAS فى الآبار ومجارى المياه تتجاوز معدلاتها القيم المرجعية. وقد أطلقت حملات لتنقية المياه بوساطة الفحم النشط الذى يحتجز هذه الملوثات من دون الوصول إلى تحللها. لكن إذا لم يتم تخزين هذا الفحم بشكل صحيح بعد استخدامه، لا يمكننا استبعاد انتشاره ذات يوم فى البيئة، وأن يغدو مصدرًا جديدًا للتلوث، وهذا هو السبب الذى يجعل من الضرورى إيجاد حلول لتفكيك الـPFAS إلى مواد غير ضارة.
يعد حرق هذه المواد العضوية حاليًا أحد أكثر التقنيات شيوعًا. ومع ذلك، فإن تحللها الكامل يتطلب درجات حرارة عالية تزيد على 1000 درجة مئوية. كما أن ذلك يدفع إلى استهلاك كمية كبيرة من الطاقة، فيما الغاز المنبعث من عملية الحرق من شأنها أن تتلف الأفران بسرعة. فضلًا عن ذلك، تظهر بعض الدراسات إمكانية نفاذ جزء من مادة الـPFAS المراد والمفترض تحللها، بحيث ينتهى بها المطاف بالهروب إلى الهواء.
لكن فى العام الماضى، أعلن البروفيسور اليابانى يوجى كوباياشى وفريقه من جامعة ريتسوميكان أنهم طوروا طريقة لتفكيك الـPFOS بوساطة صمامات لد باعثة للضوء (LED).
تتمثل هذه الطريقة فى خلط 0,65 ميللجرام من الــPFOS مع 1 ميللتر من المياه وبلورات نانوية nanocristaux (وهى بلورات متناهية الصغر) من السولفور دو كادميوم Sulfure de Cadmium أو كبريتيد الكادميوم. بعدها، عرض الباحثون هذا الخليط لضوء اللد. يعمل كبريتيد الكادميوم، وهو مادة شبه موصلة، كمحفز ضوئى تحت تأثير الضوء: فهو يعزز التفاعل الكيميائى.
تسمح التقنية بـ«كسر» الروابط السبعة عشر بين الفلور والكربون فى الـ PFOS بثمانى ساعات. ويمكن بعد ذلك إعادة استخدام أيونات الفلورايد التى يتم إطلاقها فى الماء فى إنتاج مركبات الفلورايد الأخرى.
• • •
الباحثون استخدموا الكادميوم، وهو معدن ثقيل مسئول عن مرض إيتاى - إيتاى ويعنى حرفيًا مرض الألم الشديد، ويشير إلى حالات التسمم التى تفشت فى محافظة توياما، شمالى غربى طوكيو فى منتصف القرن العشرين.
للتأكيد على مبدأ هذه الطريقة، يتم التخطيط الآن لاستخدام بلورات نانوية من مواد أكثر أمانا فى المستقبل. ويشير البروفيسور كوباياشى إلى توافر بلورات نانوية أخرى بتكلفة منخفضة لتفكيك مركبات الـPFAS بكفاءة، من دون أن يترتب عن ذلك أى عبء كبير على البيئة. ويتمثل هدفه فى إدخال هذه التقنية مباشرة إلى المصانع وتفكيك مركبات PFAS الموجودة فى المياه الصناعية الملوثة. وقد عقد الفريق بالفعل شراكات مع مؤسسات لهذه الغاية. وأشار الباحث قائلًا: نهدف مبدئيًا إلى إنتاج لتر واحد من المياه المعالجة فى الساعة خلال سنتين أو ثلاث سنوات.
البروفيسور هيساو هورى وفريقه من جامعة كاناجاوا جنوبى غربى طوكيو يشتغلون من ناحيتهم على تحلل مركبات الـPFAS باستخدام الماء، وهو فى حالة دون الحرجة.
ففى ظل الضغط الجوى العادى، يغلى الماء عند درجة حرارة 100 درجة مئوية، لكن كلما زاد الضغط زادت درجة حرارة الغليان. وبعد تجاوز ضغط معين، لا يغلى الماء، وذلك بغض النظر عن درجة الحرارة: ويقال إن الماء الذى يتم الحفاظ عليه فى حالة سائلة عند درجة حرارة عالية يكون دون الحرج. وخصائصه، المختلفة عن خصائص الماء العادى، تسمح له بتفكيك المركبات العضوية وبتحللها.
الباحثون من فريق هيساو هورى اختبروا طريقتهم من خلال الاشتغال على تحلل الـ FEP إيثيلين بروبيلين مفلور أو Éthylène propylène fluoré، وهو وليمر فلورينى أو مبلمر الفلور Fluoropolymère، الذى يعد جزءًا من مركبات الـPFAS، ويستخدم على نطاق واسع فى تصنيع الأنابيب المخصصة للظروف القاسية. من خلال تسخين المادة مع كاشف قلوى (هيدروكسيد البوتاسيوم، أو البوتاس) فى وعاء محكم الإغلاق إلى درجة حرارة تبلغ 360 درجة مئوية، تم كسر روابط الكربون - الفلوريد فيها بشكل شبه كامل. وبذلك، تمكنوا من استخلاص أيونات الفلوريد لإعادة تدويرها.
صعوبات عملية: هذه التقنية هى أقل استهلاكًا للطاقة من الحرق عند 1000 درجة مئوية، وهى تحول دون انتشار حمض البيرفلورو أوكتانويك أو الـPFOA. ويشير البروفيسور هورى فى هذا الصدد إلى أنه حتى فى حالة الـPFAS الذى يسمح حاليًا باستخدامه، من الضرورى صوغ أو ضبط طرق تسمح بتحلله وبمعالجته بشكل آمن.
• • •
عدد محدود من البلدان فقط، ومن بينها الصين، تنتج الفلور الذى تصنع منه البوليمرات المفلورة أو الفلورية. وقد أدى تزايد الطلب العالمى على هذه المادة إلى صعوبة توريدها فى السنوات الأخيرة. هكذا، فإن الطرق الآمنة التى تستخدم فى تحلل الـPFAS ستتيح استخراجًا أكثر عقلانية للفلورين Fluorine.
ثمة طرق أخرى متنوعة تم اختبارها لتفكيك مركبات الـ PFAS، على سبيل المثال الأشعة فوق البنفسجية أو الكهرباء. ومؤخرًا، حظيت أعمال ريو هوندا، الأستاذ فى جامعة كانازازا (الساحل الغربى لليابان)، واشتغاله على تحلل هذه المركبات باستخدام الكائنات الدقيقة باهتمام واسع؛ إلا أن تطبيق هذه الطرق عمليًا يواجه عقبات كبيرة.
من أجل تنقية المياه المستخدمة فى الحياة اليومية، من الممكن أن يتم تحلل الـPFAS بعد امتصاصها من طريق الفحم النشط. لكن المياه الجارية تحتوى على كمية أكبر من المواد العضوية مقارنة بمركبات الـPFAS، وهذا ينطبق بشكل أكبر على الجداول والمياه الجوفية. ويشرح يوكو فوجيكاوا، الأستاذ فى جامعة كيوتو، قائلًا: «لدىّ معالجة المياه من البيئة الطبيعية باستخدام الكربون المنشط، يقوم الأخير بالتقاط المواد العضوية الأخرى غير مركبات الـPFAS، وليس من السهل ولا من المجدى اقتصاديا جمع تركيز كافٍ من مركبات الـPFAS فقط».
خلال التجارب الأساسية، ثمة تركيزات عالية من الـPFAS التى يتم مزجها مع الماء لكى تتحلل. من أجل تطبيق عملى، يكمن الرهان أو التحدى فى إيجاد حل لفصل الـPFAS عن المواد الأخرى بفعالية من دون التسبب فى رفع التكاليف بشكل كبير.
البحث فى تحلل الـPFAS يتطور أيضًا فى الولايات المتحدة الأميركية، حيث التلوث فى محيط المصانع الكيميائية والمنشآت العسكرية بات قضية اجتماعية منذ عام 2000 تقريبًا. مؤسسات ناشئة ممولة بسخاء تقوم باختبار طرق عدة، يستند بعضها إلى النتائج المعروضة من طرف فريق هيساو هورى.

رفيف رضا صيداوى
مؤسسة الفكر العربي

النص الأصلى:
https://bitly.cx/ExuBU

التعليقات