خلال حرب الـ12 يوما التى شنتها إسرائيل ضد إيران، وانضمت إليها الولايات المتحدة الأمريكية فى يومها قبل الأخير، والتى جرت فى شهر يونيو من عام 2025، كان من أهم التحذيرات الدولية التى انطلقت من أطراف كثيرة، سواء من جانب دول، أو من جانب منظمات دولية، هى تلك المنبهة لمخاطر تعرض المنشآت النووية المخصصة للاستخدامات السلمية، سواء الإيرانية أو غيرها فى المنطقة، للقصف ومن ثم لإلحاق الأضرار بها، لما لذلك من أخطار جسيمة على جميع مظاهر الحياة، وفى مقدمتها الحياة البشرية، من خلال ما قد ينتج عن هذا القصف من تسربات إشعاعية، وكذلك تلك المنبهة لاعتبار تلك الهجمات على منشآت نووية سلمية تمثل انتهاكا ليس فقط للقانون الدولى ولكن أيضا لعدد هام من قرارات بعض أجهزة الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومع انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية الراهنة ضد إيران فى يوم 28 فبراير 2026، تجددت التحذيرات الواضحة والمباشرة والصريحة، وهذه المرة من جانب عدد كبير من رؤساء ورؤساء حكومات ووزراء خارجية وكبار مسئولين فى عدد كبير ومتنوع من بلدان العالم، وكذلك من جانب مسئولين أمميين رفيعى المستوى، كان فى مقدمتهم الأمين العام للأمم المتحدة والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتى تنبه مجددا إلى مخاطر استهداف المنشآت النووية المخصصة للاستخدامات السلمية وما قد يترتب على ذلك من تسرب إشعاعى، وكذلك تنبه إلى تعارض مثل هذا الاستهداف مع قواعد وأحكام القانون الدولى وقرارات لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس المحافظين للوكالة الدولية للطاقة الذرية. بل ورد هذا التحذير فى الكلمة المهمة التى ألقاها السيد أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، فى الجلسة التى عقدها مجلس الأمن بعد ساعات قليلة من بدء هذه الحرب الجارية.
ويتعين هنا تناول عدد من الاعتبارات الهامة ذات الصلة.
فأولا: يجب أن نتذكر أن إيران مشمولة بنظام الضمانات فى إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، باعتبارها دولة عضو فى اتفاقية منع الانتشار النووى لعام 1968.
ثانيا: فإن إيران مشمولة بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 984، والذى تم تبنيه فى 11 أبريل 1995، والذى أكد أن الدول التى تملك أسلحة نووية قد أعطت «ضمانات أمنية» (جرى على أن يطلق عليها تعبير «ضمانات أمنية سلبية») للدول التى لا تملك أسلحة نووية بأنها لن تستخدم ضدها الأسلحة النووية أو حتى تهدد باستخدامها ضدها.
ثالثا: فإن الحكومة الإيرانية قد كررت مرارا وتكرارا أن برنامجها النووى هو برنامج سلمى محض وأنه لا توجد لدى الدولة الإيرانية النية فى تحويله إلى برنامج عسكرى، ويشير كبار المسئولين الإيرانيين دائما فى هذا السياق إلى الفتوى التى كان قد أصدرها المرشد الأعلى الإيرانى الراحل على خامنئى فى عام 2003 والخاصة بتحريم استخدام جميع أسلحة الدمار الشامل، ومن بينها الأسلحة النووية، من منظور دينى إسلامى، وهى الفتوى التى أعلنتها الحكومة الإيرانية فى بيان رسمى لها فى اجتماع للوكالة الدولية للطاقة الذرية فى فيينا فى عام 2005.
رابعا: قبيل حرب 28 فبراير 2026 بيوم واحد، وتحديدا فى يوم 27 فبراير 2026، كان السيد/ بدر البوسعيدى، وزير الخارجية العمانى والوسيط فى المحادثات الأمريكية الإيرانية بشأن الملف النووى الإيرانى، قد أعلن أنه فد حدث اختراق نوعى إيجابى فى المحادثات، وأن إيران قد وافقت على ثلاثة أمور مهمة، أما الأول فهو ألا تقوم بتخزين يورانيوم مخصب فى المستقبل، وأما الثانى فهو أن تقبل بالخضوع بشكل كامل لإجراءات التحقق من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأما الثالث فهو أن إيران التزمت بتخفيض نسبة التخصيب فى اليورانيوم المخصب الموجود لديها أصلا كمخزون إلى أقل مستوى ممكن.
خامسا: بينما أعلن المبعوث الأمريكى للشرق الأوسط السيد ستيف ويتكوف، بعد اندلاع الحرب، أن إيران كانت تصر خلال المحادثات على التمسك بحقها غير القابل للتصرف فى تخصيب اليورانيوم، كما أنها رفضت عرضا أمريكيا خلال المحادثات السابقة على الحرب بإبقاء التخصيب عند مستوى "الصفر"، فإن تقارير أخرى خرجت عن تلك المحادثات ذكرت أن المفاوضين الأمريكيين لم يفهموا جيدا العرض الإيرانى، والذى تضمن استعداد إيران لتجميد القيام بأى عملية لتخصيب اليورانيوم لعدة سنوات.
سادسا: إنه ما بين حرب يونيو 2025 وحرب فبراير 2026 خرجت تصريحات وبيانات عديدة بشأن اعتبار الهجوم على المنشآت النووية ذات الاستخدامات السلمية انتهاكا واضحا وصريحا لقرارات مجلس المحافظين والمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية وكذلك لعدد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ذات الصلة. وبينما كانت هناك تصريحات أخرى تشير إلى عدم التعاون الكامل من جانب إيران مع الوكالة فى مسألة التحقق، وهى تصريحات تعززت بعد إعلان وزير الخارجية الإيرانى فى 18 أكتوبر 2025 أن بلاده لم تعد ملزمة بالقيود التى فرضتها الأمم المتحدة على برنامجها النووى طبقا لقرار مجلس الأمن رقم 2231، وهو القرار الذى منح الاتفاق الخاص بالبرنامج النووى الإيرانى لعام 2015 الشرعية الدولية، باعتبار أن بنود هذا القرار قد انتهت رسميا فى 18 أكتوبر 2025، وجاء ذلك بالرغم من أن جهودا دبلوماسية مصرية كانت قد نجحت فى توقيع كل من إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية اتفاقا لاستئناف التعاون بينهما فى القاهرة فى 9 سبتمبر 2025، وبالرغم من هذا الإعلان الإيرانى فى أكتوبر 2025، فقد استمرت التقارير تشير إلى عدم وجود دلائل مادية يقينية وثابتة ودامغة على أن إيران تسعى بشكل ممنهج لبناء برنامج نووى عسكرى وإنتاج أسلحة نووية.
سابعا: أشارت التحذيرات المتكررة من قصف المنشآت النووية الإيرانية وما قد ينتج عنه من نتائج كارثية من الناحيتين البيئية والإنسانية بسبب فرص التسرب الإشعاعى إلى عدد من قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلقة بالهجمات العسكرية على المنشآت النووية، وفى مقدمتها قرارى المؤتمر العام للوكالة رقم 444 الصادر عن دورته التاسعة والعشرين ورقم 533 الصادر عن دورته الرابعة والثلاثين، واللذين قررا أن أى اعتداء عسكرى أو تهديد باعتداء عسكرى على منشآت نووية مخصصة للاستخدامات السلمية تمثل انتهاكا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وللقانون الدولى وللنظام الأساسى للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ثامنا: إن تجريم قصف المنشآت النووية المخصصة للاستخدامات السلمية لا تقف مرجعيته عند حدود مبادئ ميثاق الأمم المتحدة أو قرارات مجلس الأمن أو قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو القانون الدولى العام، ولكن تتخطى ذلك إلى القانون الدولى الإنسانى، حيث نجد أن المادة 56 من البروتوكول الإضافى الأول لاتفاقيات جنيف، والصادر عام 1977، والخاص بالقوانين التى تطبق فى حالة نشوب الصراعات المسلحة الدولية، قد حظرت بشكل خاص استهداف منشآت مثل محطات الطاقة النووية والسدود عندما يكون هناك خطر خاص بتسرب مواد خطيرة تسبب أضرارا للمدنيين.
وبالرغم من ذلك التجريم للاعتداءات أو الهجمات العسكرية على المنشآت النووية المخصصة للاستخدامات السلمية، فإن التاريخ المعاصر للبشرية شهد فى الماضى حالات لمثل هذه الاعتداءات، والحربان اللتان تم شنهما على إيران، سواء فى يونيو 2025 أو الحرب الجارية منذ 28 فبراير 2026، شهدتا حالات متعددة ومعلنة لهجمات عسكرية كان هدفها قصف منشآت نووية إيرانية مخصصة للاستخدامات السلمية، بحسب طهران، وبحسب آخر ما هو متوفر من معلومات لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن غير المعروف حتى الآن حجم الخسائر والأضرار التى نتجت عن تلك الهجمات العسكرية، ومن غير الواضح أيضا متى ستنتهى هذه الهجمات وما ستئول إليه حالة تلك المنشآت مع نهاية هذه الهجمات.