لم يكن يوسف شاهين مخرجًا يمكن المرورعليه مرور الكرام. منذ بداياته، بدا كحالة استثنائية فى السينما المصرية: صاخب، قلق، مشاكس، ومختلف. وفى مئويته، يتجدد السؤال الذى رافق تجربته طويلًا: هل أنصفناه حين هاجمناه، أم أسأنا إليه حين قدسناه؟ بين الهجوم والتقديس، ربما ضاعت القراءة العادلة.
مخرج أزعج عصره
حين خرج فيلم باب الحديد (1958) إلى النور، لم يكن مجرد فيلم مختلف، بل صدمة كاملة. بطل مهزوم، مشاعر مكبوتة، مدينة خانقة، وكاميرا لا تجامل. لم يفهم كثيرون وقتها ما الذى يريده يوسف شاهين من سينما ترفض البطل المثالى والحكاية المريحة.
ومنذ ذلك الفيلم، دخل شاهين فى مواجهة دائمة مع الذائقة السائدة. لم يكن الهجوم عليه فنيا حينها فقط، بل اجتماعيًا وأخلاقيًا أحيانًا. اتّهم بالتغريب، وبالتعقيد، وبأنه يصنع سينما «للنخبة». لكن الحقيقة أن شاهين كان يرفض تبسيط الواقع، ويرى السينما أداة كشف لا تسلية فقط.
فى أفلام مثل «الاختيار» و«العصفور»، لم يقدم السياسة كشعارات، بل كارتباك وهزيمة وأسئلة مفتوحة. ولهذا أزعج السلطة أحيانًا، وأربك الجمهور أحيانًا أخرى. لم يكن مخرجًا يبحث عن الرضا العام بل عن الصدق الفنى.
يمكن طرح السؤال حول علاقة يوسف شاهين بالجمهور بعيدًا عن منطق الاتهام المباشر أو التبرئة السهلة. فشاهين لم يفشل بقدر ما اختار طريقًا شائكًا؛ طريق المخرج الذى يرى السينما أداة تفكير لا مجرد وسيلة إمتاع. مع مرور الزمن، تغيّر الجمهور، وتبدّلت ذائقته تحت ضغط السوق، والإيقاع السريع، وهيمنة نماذج سردية أكثر بساطة، بينما ظل شاهين وفيًا لأسئلته الكبرى: الهوية، السلطة، الحرية، والجسد بوصفه ساحة صراع. من هنا، يبدو الخلل أقل ارتباطًا بقدرة شاهين على التواصل، وأكثر اتصالًا باتساع الفجوة بين مشروع فنى يراكم الأسئلة، وسوق سينمائية تطلب إجابات جاهزة. محاسبته بمنطق الإيرادات وحده تظلمه، لأن مشروعه لم يُبنَ يومًا على إرضاء الذائقة السائدة، بل على تحديها، حتى لو دفع ثمن ذلك عزلة نسبية عن جمهور كان يتغير بسرعة، بينما يصر هو على ألا يغيّر جلده.
فى «العصفور» (1972)، لم يخاطب شاهين الجمهور بلغة الشعارات أو الحكاية المباشرة، رغم سخونة اللحظة السياسية بعد هزيمة 1967. اختار فيلما مشبعا بالرموز، متشظى السرد، يحمّل المجتمع كله – لا السلطة وحدها – مسئولية الانكسار. هذا الخيار الجمالى والسياسى جعل الفيلم صادمًا لجمهور كان ينتظر خطابًا واضحًا أو بطولة تقليدية، بينما قدّم شاهين عملًا يسائل الوعى الجمعى ويزعزع يقيناته، حتى جاءت صرخة «لأ… ح نحارب» فى الختام كجسر أخير نحو الجمهور، لا كتراجع عن تعقيد الفيلم بل كاعتراف بحاجته إلى أفق مشترك.
أما «الاختيار» (1971)، فيذهب أبعد فى القطيعة مع التلقى السهل، إذ يبنى شاهين فيلمه على بنية نفسية وفلسفية معقدة، ويطرح سؤال الانقسام الداخلى للطبقة الوسطى والمثقف المصرى، من خلال ازدواجية الشخصية والهوية. هنا لا يسعى الفيلم إلى الإقناع بقدر ما يسعى إلى الإرباك، ولا يطلب من المشاهد التعاطف بقدر ما يطلب منه أن يرى نفسه فى مرآة غير مريحة. وهو ما جعل «الاختيار» فيلمًا مُلتبس الاستقبال جماهيريًا، لكنه شديد الدلالة داخل مشروع شاهين ككل.
فى الفيلمين، يتضح أن شاهين لم يخطئ طريق الجمهور بقدر ما رفض أن يبسّط أسئلته لإرضائه. لقد كان واعيًا بأن السينما، فى لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس فقط بعدد المتفرجين، بل بقدرتها على زعزعة الوعى السائد. وهنا يصبح السؤال الحقيقى ليس: لماذا ابتعد الجمهور عن شاهين؟ بل: لماذا أصرّ شاهين على الاقتراب من الأسئلة التى يخشاها الجمهور، حتى وهو يعلم ثمن ذلك؟
"من الهجوم إلى التقديس"
المفارقة أن يوسف شاهين، الذى عانى طويلا من سوء الاستقبال، تحول مع الوقت إلى أيقونة. مع تزايد حضوره فى المهرجانات العالمية، ومع إعادة اكتشاف أفلامه القديمة، بدأ النقد يتعامل معه باعتباره «قيمة نهائية» لا يجوز الاقتراب منها.
هنا نشأ شكل جديد من الظلم:
أصبحت بعض أفلامه المتأخرة تُستقبل بقدر من التساهل النقدى، بدعوى التاريخ والمكانة. تراجعت الأسئلة الفنية أمام الاحترام الواجب، واختلط الدفاع عن التجربة بإلغاء النقاش حولها. هكذا انتقل شاهين من مخرج مثير للجدل إلى مخرج مُحصن ضد النقد.
لكن التقديس، مثل الهجوم، يُفقد التجربة حيويتها. فشاهين لم يكن معصوما من العثرات، وبعض أعماله حملت لحظات إفراط واستطالة وخطابية واضحة. تجاهل هذه الجوانب لا يخدمه، بل يحوله إلى تمثال.
السينما الشخصية.. بين الاتهام وسوء الفهم
من أكثر التهم التى لاحقت يوسف شاهين اتهام «النرجسية»، خاصة بعد ثلاثية «الإسكندرية» «إسكندرية ليه، إسكندرية كمان وكمان، إسكندرية نيويورك». لكن هذه التهمة غالبًا ما أسىء فهمها.
شاهين لم يستخدم ذاته بوصفها غاية بل كوسيلة.. سيرته لم تكن اعترافًا خاصًا بقدر ما كانت نافذة على تاريخ مصر الثقافى والسياسى والاجتماعى. فى «إسكندرية ليه؟»، لا نرى حكاية شاب فقط، بل نرى مدينة وطبقة وزمنا كاملًا.
السينما الشخصية عند شاهين لم تكن هروبًا من الواقع بل غوصًا أعمق فيه. الذات هنا مرآة، لا مركز الكون. وربما لهذا السبب أربكت هذه الأفلام جمهورًا اعتاد الفصل الصارم بين الخاص والعام.
مخرج لا يهدأ
أحد أسباب صعوبة تقييم يوسف شاهين أنه لم يستقر فنيًا. لم يكرر نفسه، ولم يلتزم بأسلوب واحد. انتقل بين الواقعية، والميلودراما، والاستعراض، والتجريب، دون خوف من التناقض.
هذا القلق الدائم جعله عرضة للهجوم، لكنه فى الوقت نفسه حفظ له مكانته كمخرج حى، يتغير ويغامر. شاهين لم يكن يبحث عن فيلم كامل، بل عن تجربة صادقة، حتى لو جاءت غير متوازنة أحيانًا.
هل ظلمناه أم قدّسناه؟
الإجابة الأقرب للإنصاف أننا فعلنا الأمرين معًا.
ظلمناه حين طالبناه بأن يكون بسيطًا وسهلًا، وحاكمناه بمنطق شباك التذاكر وحده. وقدسناه حين تعاملنا مع أفلامه كأيقونات لا تُمس، وأغلقنا باب النقد بدعوى الاحترام.
القراءة العادلة ليوسف شاهين تبدأ من الاعتراف بتناقضه: مخرج كبير، جرىء، صاحب رؤية، لكنه أيضًا إنسان يخطئ ويجرب ويتعثر. قوته الحقيقية أنه لم يخف هذا التناقض، بل جعله جزءًا من سينماه.
لماذا نحتاج إلى شاهين اليوم؟
فى زمن تسود فيه سينما آمنة، تخشى الصدام، تبدو تجربة يوسف شاهين أكثر راهنية مما نتصور. لا لأن أفلامه تقدم حلولًا، بل لأنها تطرح أسئلة. لا لأنها مريحة، بل لأنها مزعجة بالمعنى الإيجابى.
فى مئويته، لا يحتاج يوسف شاهين إلى باقات ورد بل إلى قراءة جديدة، تعيده من منطقة التقديس إلى ساحة الجدل. فهناك فقط، حيث السؤال والاختلاف، تعيش السينما الحقيقية.. وهناك كان شاهين دائمًا.