(1)عقد كامل من الزمان مضى على رحيل الكاتب والأديب علاء الديب (1939-2016)، أحد أكبر أدباء الستينيات وصاحب النزعة الإنسانية الرهيفة والنبيلة، ليس فقط فى مجمل ما تركه من كتابة بديعة ومنجز أدبى ونقدى وصحافى رفيع المقام، بل أيضًا فى سيرة حية نابضة بكل معانى الخير والنبل والقبول للآخر والانفتاح الفكرى والثقافى على كل المستويات.
كان أستاذًا ومعلمًا مثاليًا، متواضعًا؛ حياته رحلة كفاح وعمل وإخلاص لقيم ومعايير جمالية وإنسانية وأخلاقية صاغها لنفسه، لم يخضع ولم يلن رغم كل الضغوط والإغراءات والمضايقات، انعزل فى محرابه وبين كتبه وقرر المواجهة بالجمال والمقاومة بالفن، وكتبه وأعماله ترسّخ قواعد فن وجمال ينفعان الناس.
بيته الشهير فى المعادى ظل فى حياته وبعد رحيله واحة حقيقية لاستقبال الأصدقاء والمحبين والمريدين من كل شكل ولون، ومن كل اتجاه وطيف فكرى وسياسى، ويجمع بين أجيال لا تجتمع، لكنهم اتفقوا على محبته واحترامه وإجلاله.
وبرغم مرور هذه السنوات العشر كلمح البصر، ما زالت أسرته الكريمة تحافظ على هذا التقليد النبيل بدعوة كل محبيه وكل عارفيه للالتقاء على شرف ذكراه، وتجديد المحبة واستدعاء القيم الكبرى التى جسدها علاء الديب؛ حياتيًا وإنسانيًا وإبداعيًا عبر حياته وفى نصوصه وأعماله.
(2)وقد قررت دار الشروق، بمبادرة رائعة منها تستحق كل التحية، أن تحتفى بذكرى الأديب الكبير بإصدار جزء جديد من كتابه «عصير الكتب (2013-2014)»، والذى يضم مقالاتٍ من عامى 2013 و2014 كتبها علاء الديب ونشرها فى باب «عصير الكتب»؛ الباب الأشهر والأعرق فى الصحافة الثقافية المصرية، والذى ظل علاء الديب يحرره بالاسم ذاته طوال ما يقرب من نصف القرن، وارتبط بهذا العنوان عشرات بل مئات الكتّاب والمؤلفين الذين كتب عنهم علاء الديب، وأشاد بهم، ومنحت كتابته عن عددٍ كبير منهم جواز المرور للشهرة والاعتماد فى مجالات إبداعاتهم (شعرًا، رواية، مسرحية، قصة، نقدًا، وحتى فى المجالات المعرفية والإنسانية المختلفة).
لقد أسس علاء الديب - رحمه الله - بهذا الباب مدرسة مخصوصة فى الصحافة الثقافية، وفى الكتابة الموجهة لجمهور عريض يرشدهم ويدلهم على ما يستحق القراءة وسط طوفان الأعمال المنشورة، ويلعب الدور الذى كان يلعبه كبار الكتاب من جيل الرواد فى التوسط بين الأعمال القيمة والجمهور العام.
كان الديب مستشارًا أمينًا للقارئ، مؤمنًا - كما آمن طه حسين من قبل - بأن الناقد الحقيقى والكاتب الحقيقى هو مستشار أمين ومخلص للقارئ؛ يشير عليه بمكامن القيمة والجودة والأصالة ويقدّم له حيثيات هذا الترشيح أو ذاك، ثم يترك للقارئ بعد ذلك كامل الحرية والاختيار فى استحسان ما يستحسن أو العكس.
(3)«عصير الكتب» هو الباب الأشهر والأهم والأوسع تأثيرًا وانتشارًا فى صحافتنا الثقافية المعاصرة على مدى نصف القرن أو يزيد؛ إنها المدرسة الأصيلة المحترمة التى دشنها علاء الديب فى «الكتابة عن الكتابة». هى بحق «عصير» وخلاصة مقطرة، مركزة، تقوم على القراءة الواعية المستوعبة، والكتابة السهلة اللماحة الذكية.
كتب الديب كثيرًا جدًا عن عشرات وعشرات، بل مئات ومئات، من المؤلفين والفنانين والمفكرين والكتب والموسوعات والروايات والقصص، وكل أصيل وجميل وممتع أنتجته قريحة مبدع حقيقى خلال المائة سنة الماضية.
بوضوح ودون لف ودوران، يقول علاء الديب: «أسأل نفسى ما معنى هذا الباب الذى أحاول أن أكتبه كل أسبوع «عصير الكتب»؛ تلك النكتة القديمة المكررة ليست نقدًا بالتأكيد، وليس إعلانًا عن كتاب، طموحه الأساسى أن يكون مشاركة فى التفكير العام. الاختيار سؤال، والكتابة محاولة للبحث عن إجابة. وفى الصفحات التالية سأحاول أن أتذكر بعض الأسئلة، ومشروعات الإجابة». وكان الرجل مخلصًا تمامًا لهدفه وغايته!
فى هذه المجموعة، التى تم انتقاؤها بعناية وذكاء، مقالات تغطى كمًا هائلًا من إنتاجنا الثقافى فكريًا وإبداعيًا؛ لن تجد اسمًا معتبرًا ولا كتابًا جادًا ولا عملا جديرًا بالقراءة والمتابعة إلا وستعثر عليه فى عصير الكتب!
ودون مبالغة، فأنت - عزيزى القارئ - أمام كنز ثقافى ولغوى وإنسانى؛ وعلاء الديب من القلّة التى أوتيت حسًا رهيفًا وشفافًا تجاه اللغة؛ كنت دائمًا ما أتوقف أمام اثنين من أعلامنا فى هذا الزمان، كان حسهما اللغوى وثقافتهما اللغوية (بالنسبة لى على الأقل) مضرب الأمثال؛ المرحوم شكرى عياد، وعلاء الديب.
(4)أخيرًا، وقارئ الشروق العزيز، يطالع هذا المقال؛ سيكون رواد معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته المنعقدة حاليًا بمركز مصر للمؤتمرات، مع لقاء يُعقد خصيصًا تحت عنوان «علاء الديب: عشر سنوات من الغياب والحضور»، يديره الشاعر الكبير زين العابدين فؤاد، ويتحدث فى هذا اللقاء كل من الأستاذة عصمت قنديل، رفيقة الدرب والروح للراحل الكريم، والكاتب والشاعر علاء خالد، والقدير أنسى أبو سيف، والموسيقار الكبير راجح داود، وأخيرًا المفكر الكبير والمحلل السياسى والخبير الاستراتيجى بالأهرام أستاذنا الجليل نبيل عبد الفتاح.
يستحق علاء الديب كل هذه المحبة، ويستحق كل هذا الاحتفاء، فالقيمة و«القيمة» وحدها هى التى تبقى.