هل يقود «اليمين» العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟ - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الأربعاء 25 مارس 2026 10:13 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

هل يقود «اليمين» العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

نشر فى : الأربعاء 25 مارس 2026 - 8:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 25 مارس 2026 - 8:15 م

أيًا كانت النهايات التى ستؤول إليها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران والتى بدأت فى 28 فبراير 2026، وأيًا كانت النتائج التى ستسفر عنها، فالثابت أنه منذ الأسبوع الثالث لتلك الحرب بدأت تعلو نبرة التحذير من جانب عدد متزايد من الخبراء والمحللين وعلماء السياسة والعلاقات الدولية والمتابعين من أن تؤدى الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية ضد إيران، خاصة مع توسع العمليات العسكرية أفقيًا، لتشمل عددًا لا بأس به من الدول فى منطقة الشرق الأوسط والخليج، بل والحديث عن شمولها قواعد عسكرية غربية خارج هذا النطاق الجغرافى، ومع تصاعد وتيرة التدمير فيها رأسيًا وتنوعه ليشمل قصف قطاعات اقتصادية وحياتية حيوية مثل البنية التحتية والطاقة، خاصة منشآت النفط والغاز من آبار ومعامل تكرير وغيرها، بل والمنشآت والمرافق النووية ذاتها، إلى تحول هذه الحرب تدريجيًا أو بشكل متسارع أو مفاجئ من حرب إقليمية، ليس فقط إلى حرب دولية، بل إلى حرب عالمية ثالثة بالمعنى الكامل لهذا الوصف، وهو وصف يبدو صادمًا بل ومخيفًا، للبعض وخياليًا أو بعيدًا عن الواقع للبعض الآخر. ومن المفارقات أن الرئيس الأمريكى نفسه قد ذكر فى مرحلة ما من تطور الحرب الجارية بأن شن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل للحرب ضد إيران كان بغرض الحيلولة دون اندلاع حرب عالمية ثالثة، لأنه لو لم تسرع الدولتان بشن الحرب كانت إيران ستبدأ حربًا نووية كانت ستتطور إلى حرب عالمية ثالثة.
وبعيدًا عن التقييم الموضوعى والعلمى والكامل لهذا التحذير وفرص تحققه من عدمها، وهو الأمر الذى لا يتسع المجال لتناوله على النحو المطلوب من التحليل المتعمق فى مقال أو حتى فى عدة مقالات، فإن ما يهمنا هنا هو أن نشير إلى أن هناك ظرفًا موضوعيًا يتواجد فى حالة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مشابه مع الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأعنى هنا الدور البارز والمؤثر لليمين، بمعناه الأيديولوجى والسياسى، فى البدء بهذه الحرب أو إطلاق شرارتها الأولى أو السعى نحوها عبر أشكال وصور مختلفة ومتنوعة ومتعددة، ولكنها أدت جميعًا إلى اندلاع الحربين العالميتين، الأولى فى عام 1914، والتى انتهت فى عام 1918، والثانية فى عام 1939، والتى انتهت فى عام 1945.
ففى حالة الحرب العالمية الأولى، والتى يصفها الكثير من المؤرخين بالحرب الاستعمارية أو الحرب الإمبريالية، فهى قد نشبت فى الأساس فيما بين إمبراطوريات ودول أوروبية استعمارية كانت قد بلغت فى العقود، بل والقرون، السابقة على اندلاع تلك الحرب مرحلة شديدة الشراسة والعنف فى تنافسها وتطاحنها، الذى تحول إلى صراعات وحشية وحروب دموية، من أجل السيطرة على المستعمرات، سواء فى العالم الجديد، أى فى قارتى الأمريكيتين أو أستراليا ونيوزيلندا، أو فى قارتى العالم القديم أفريقيا وآسيا، أو حتى فى أجزاء أقل تقدمًا وأضعف حالًا فى القارة العجوز أوروبا ذاتها، وأيضًا بهدف التحكم فى الممرات الملاحية الحيوية الهامة، سواء فى أوقات السلم أو فى أوقات الحرب، مثل قناة السويس وقناة بنما، أو لكى تكون لها اليد الطولى فى طرق التجارة الدولية والموانئ العامة والمحورية التى تشرف على تلك الطرق وتتحكم فيها، أو بغرض جمع أكبر قدر من موارد العالم الطبيعية والمعدنية وغيرها تحت سيطرتها المباشرة، وذلك فى إطار قناعة كل أسرة مالكة وكل حكومة من حكومات هذه الدول بأن صعودها لن يتم إلا على أشلاء الإمبراطوريات الاستعمارية الأخرى المناوئة لها، أو تلك المنخرطة فى تحالفات معادية لها. وجمع بين تلك الحكومات أيضًا قدر من العنصرية والشعور بالتعالى والتميز مقارنة ببلدان العالم الأخرى وشعوبها.
وكانت كل تلك الإمبراطوريات والدول تحت حكم أسرة مالكة وحكومات يمينية، وإن كان خلال الحرب قد قامت الثورة البلشفية فى روسيا، وأعلنت روسيا خروجها من الحرب وعقدت اتفاقية سلام منفردة مع ألمانيا، بل وفضحت القيادة السياسية الجديدة فى موسكو اتفاقيات سرية فيما بين أطراف الحرب من دول «الحلفاء»، خاصة فيما بين بريطانيا وفرنسا، لتقسيم البلدان التابعة للإمبراطورية العثمانية فى الشرق الأدنى، خاصة فى الوطن العربى، والتى ربما كان من أهمها وأبرزها آنذاك حالة اتفاق «سايكس - بيكو» الشهير، وأخرجته الثورة البلشفية للنور أمام العالم كله لتكشف أنه حتى بالنسبة للدول الأوروبية التى كان من المفترض أنها ديمقراطية على النسق الليبرالى التعددى الغربى فإن أهدافها من الحرب كانت أهدافًا استعمارية بحتة.
أما الحرب العالمية الثانية، فكان الذى أدى إلى اندلاعها قيام دول يتبنى حكامها أو تتبنى حكوماتها أيديولوجيات يمينية متطرفة، سواء كانت فاشية أو نازية، وفى مقدمتها ألمانيا تحت قيادة أدولف هتلر وإيطاليا تحت قيادة بنيتو موسولينى واليابان تحت قيادة تحالف من الساسة والقادة العسكريين اليمينيين المتشددين، بغزو أراضى بلدان دول أخرى والسعى لاحتلالها والسيطرة عليها وعلى مواردها، سواء فى أوروبا أو فى آسيا أو فى إفريقيا مثل بولندا وتشيكوسلوفاكيا وفرنسا وإثيوبيا والصين وبلدان جنوب شرق آسيا وغيرها، وذلك بعد ضرب عرض الحائط بالتنظيم الدولى الذى أنشأته الدول المنتصرة فى الحرب العالمية الأولى فى أعقاب انتهاء تلك الحرب ومؤتمر فرساى للسلام الذى تلاها، وهى منظمة «عصبة الأمم»، والذى كان الهدف الرئيسى من إنشائها هو الحيلولة دون قيام حرب عالمية ثانية، والتجاهل التام من جانب تلك الدول الثلاث لما كانت «عصبة الأمم» تصدره من قرارات أو حتى عقوبات تجاه الدول الغازية لأراضى بلدان دول أخرى، وكذلك عدم الأخذ بجدية أيًا من قواعد وأحكام القانون الدولى والأعراف الدولية ذات الصلة.
وكان الدور الحاسم فى إنهاء الحرب وهزيمة دول المحور (ألمانيا وإيطاليا واليابان) وانتصار الحلفاء هو معركة «ستالينجراد» من جهة حيث انتصر الجيش السوفيتى الأحمر على جحافل جيوش ألمانيا النازية وأجبرها على التراجع والتقهقر فى أوروبا إلى داخل أراضى ألمانيا ذاتها، والإنزال العسكرى الأمريكى عبر عملية «النورماندى» على شواطئ أوروبا من جهة ثانية، وانتهاء الحرب فى آسيا بعد استسلام اليابان فى أعقاب إلقاء الولايات المتحدة الأمريكية للقنبلتين النوويتين على مدينتى هيروشيما وناجازاكى اليابانيتين من جهة ثالثة، ما أدى إلى انحسار الخطر اليمينى النازى/الفاشى عن العالم بأسره آنذاك. وفى أعقاب انتهاء تلك الحرب تم تأسيس منظمة دولية جديدة هى الأمم المتحدة بغرض الحيلولة دون وقوع حرب عالمية ثالثة، وهو الهدف الذى وإن كان متحققًا حتى الآن، فإنه، وفى عدة مناسبات على مدى العقود الثمانية المنصرمة، كان مهددًا بأن يتعرض للإجهاض وأن تشب حرب عالمية ثالثة، وربما آخر هذه المناسبات هى الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران
ووجه التشابه الملفت أنه فى حالة الحرب الراهنة أيضًا نجد أن اليمين يجلس فى مقاعد السلطة، سواء فى واشنطن أو فى تل أبيب، وبالطبع فإن تركيبة اليمين مختلفة ما بين البلدين وأهدافه ليست متطابقة ولكن يجمعه أنه فى الحالتين يمين غير تقليدى، فلا هو اليمين الرجعى الاستعمارى الذى قاد العالم إلى حرب عالمية أولى فى عام 1914، ولا هو اليمين الفاشى الذى قاد العالم نحو الحرب العالمية الثانية فى عام 1939، ولا هو اليمين التقليدى المحافظ الذى شكل معالم النظام السياسى الأمريكى وفى الدول الغربية بشكل عام منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية فى عام 1945، بل هو يمين من نوع مختلف وجديد وغير تقليدى، ولكنه اكتسب أرضية فى عدد من دول العالم على مدى العقود القليلة الماضية منذ انتهاء الحرب الباردة بانهيار وتفكك الاتحاد السوفيتى والكتلة السوفيتية منذ نهايات عقد الثمانينيات من القرن العشرين.
ففى الحالة الأمريكية، مر اليمين داخل الحزب الجمهورى وداخل المجتمع الأمريكى بشكل عام بتحولات أيديولوجية وثقافية واقتصادية/اجتماعية متعددة وعميقة وحادة انعكست على تركيبته ومكوناته وتوجهاته السياسية منذ فترتى ولاية الرئيس الراحل رونالد ريجان (1981 - 1989)، وهى تحولات اكتسبت أبعادًا أكثر دلالة خلال فترتى ولاية الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش (2001 - 2009)، وانتهى بها المطاف إلى أن التيار الغالب فى صفوف اليمين السياسى الأمريكى يعكس توجهات ما بات يعرف بـ«الليبرالية الجديدة»، ومرحلة جديدة من تطور النظام الرأسمالى يطلق عليها بعض المؤرخين والمفكرين والاقتصاديين «الرأسمالية المتوحشة»، والتى يدخل ضمن أولوياتها السيطرة على مصادر الطاقة فى العالم، وكذلك على طرق الملاحة والتجارة الرئيسية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، والتحكم ليس فقط فيما تحتاجه الولايات المتحدة الأمريكية أو التحالف الغربى الأطلسى، بل فيما يحتاجه من تراهم واشنطن كمنافسين أو خصوم لها.
وعلى الجانب الإسرائيلى، فإن اليمين يحكم منذ سنوات باتت طويلة، تخللتها فترات انقطاع قصيرة لا يلبث اليمين أن يعود فيها للسلطة، وهو يمين يتسم بالجمع بين الرغبة فى الحفاظ على ما يسمى بـ«نقاء يهودية الدولة» من جهة والتوسع فى الأراضى العربية للبلدان الأخرى من جهة أخرى بغرض ضم المزيد منها، بعد أن يتم الحصول على إقرار المجتمع الدولى، أو على الأقل الحلفاء الغربيين، وفى مقدمتهم واشنطن، على «تقنين» ضم الضفة الغربية وبالتالى الإطاحة بأى أمل، ولو ضئيل، لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، مع تفريغ الضفة الغربية من سكانها الفلسطينيين بشكل أو بآخر بغرض التهرب من خيار «الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة» على كل أرض فلسطين التاريخية. ويتفق مع هذه الرؤية أيضًا القيام أو الاشتراك فى أى عمل عسكرى بغرض تدمير قدرات الدول العربية أو الدول الإسلامية فى المنطقة، بحيث تصبح إسرائيل، وكما كرر رئيس وزرائها أكثر من مرة خلال الحرب الجارية القوة الإقليمية فى الشرق الأوسط وإحدى القوى الدولية الكبرى.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات